اللغة العربية أهلاً وسهلاً بكم في موقعكم المفضل لغة القرآن
الرئيسية النحو الإملاء قاموس النحو محاضرات في التربية قاموس الأدب الشعر الصرف النقد
 

الشاعر محمد القيسي

 

نبذة

ولد في كفر عانة (فلسطين) عام 1945 ، عمل في حقل الصحافة والمقاومة ، عضو جمعية الشعر. مؤلفاته:
1-
راية في الريح- شعر- دمشق 1969.
2-
خماسية الموت والحياة- شعر- بيروت 1971.
3-
رياح عز الدين القسام- مسرحية شعرية- بغداد 1974.
4-
الحداد يليق بحيفا- بيروت 1975.
5-
إناء لأزهار سارا، زعتر لأيتامها- شعر- بيروت 1979.
6-
اشتعالات عبد الله وأيامه- شعر- بيروت 1981.
7-
كم يلزم من موت لنكون معاً- شعر- بيروت 1982.
8-
أغاني المعمورة- شعر- عام 1982.
9-
أرخبيل المسرات الميتة- شعر- عمان 1982.

البداية

 

في المنفى

ترى من سيخبر الأحباب أنّا ما نسيناهم

وأنّا نحن في المنفى نعيش بزاد ذكراهم

وأنّا ما سلوناهم

فصحبتنا بفجر العمر ما زالت تؤانسنا

وما زالت بهذي البيد في المنفى ترافقنا

ونحن بهذه الغربة

تعشّش في زوايانا عناكب هذه الغربة

تمدّ خيوطها السوداء في آفاقنا الغبراء أحزانا

تهدهد جفننا الأحلام تنقلنا على جنح من الذكرى

إلى عهد مضى حيث السكون يثير نجوانا

وحيث الشوق أغنية نردّدها على ربوات قريتنا

وحيث الحبّ في بلدي كلام صامت الّنبرة

كلام صادق الإحساس والنظرة

وحلم أخضر في القلب يروي سرّ نشوتنا ,

ويحضننا ويرعانا

ترى من يخبر الأحباب أنّا ما نسيناهم

فكيف يغيب من في القلب محفوظ له تذكار

ومن في الغور في طيّ الحنايا شعلة من نار

تجدّد صفحة الماضي

فينهار المدى النائي

وتحذف بيننا الأبعاد

ويجمعنا بجوف الليل حلم ينثر النّوار

فنصحو والفؤاد يلملم الذكرى

يجفّف دمعة حرّى

ترى من يعرف الأحباب من يدري نواياهم

وهل بثّوا بقلب الليل للغيّاب نجواهم

وهل عرجوا ترى يوما على عشّ الهوى المهجور

وهل ذرفوا دموع الصمت , هل أدمتهم الذكرى

وهل خففت جوانحهم وقالوا مثلنا شعرا ؟

فإنّ البعد أدمانا , أحال حياتنا تنّور

يعذّبنا خفوق القلب , تملك روحنا الرعشة

وفي أحداقنا تنمو جذور الحزن والآلام والوحشة

يمرّ الليل عن جفني ويسألني

حزين ساهر تشكو من الأيام والمحن

متى تشفى من الشجن ؟

أحبائي سؤال الليل يؤلمني

ويحزنني

لأنّي كلّ ما أدريه أنّي بتّ منفيّا

وأنّي لم أزل حيّا

تعذّبني وتقلقني

طيوف الأمس والذكرى تعذّبني

فأجترّ الأسى والصمت والحيرة

وأقتات الفراغ الرحب أنحر فيه أيامي

وتقضم عشب أحلامي

نيوب الوحشة المرّة

وتملأ خافقي بالحزن , تفعم عالمي حسرة

فأطوي صفحة الماضي , وأغفو علّني أصحو

على ربواتنا أعدو

وأحضن في ثراها الشوق , ألمسه بتحنان

ويغرقني عبير الأرض , يسكرني بلا خمرة

وأحيا حلمي المنشود , ألمح فيه إنساني

وأدفن فيه أشجاني

ولكّني أحبائي أفيق وبيننا سدّ

غريب في بلاد النفي ينهش عمره البعد

ويسقم قلبه الوجد

يداعبه سنا أمل , بدا في أفقه واه

غدا يمضي بنا التّيار يجمعنا بمن نهوى

ويدري الناس والأحباب أنّا ما سلوناهم

وأنّا لم نزل في مركب الأشواق نبحر صوب دنياهم

ويدفعنا جنون الوجد يسبقنا للقياهم

ترى من يخبر الأحباب أنّ ما نسيناهم

وأنّا لم نزل في مركب الأشواق نبحر صوب دنياهم

ويدفعنا جنون الوجد يسبقنا للقياهم

ترى من يخبر الأحباب أنّ ما نسيناهم

البداية

 

مشهد الدخان

ودخان على القلب هذا الدخان

دخان،

دخان

خرجت من النور أم خانني النص،

حتى ليزداد أو يتجدد هذا الغياب،

وتنأى ظلال النهار،

وينأى الأمان

دخان

دخان

تدور بي الدائرات بعيدا

رماد الهواجس يومي

ويكسر قلبي الرهان

دخان

دخان

ويظلم دوني المكان

درجت هنا عزلة عزلة

ورماني الحنان

وقلت أمرن حالى على الاحتمال،

ويصقل روحي المران

دخان،

دخان

فلا حصدت كلماتي سوى الكلمات،

ولا خف في جانبي اعتمال

ولا واصل الأقحوان

سكينة من بات في الظل،

مكتفيا بالقليل،

وأيامه جيشان

دخان،

دخان،

ويكتب ما يفلق الصخر حزنا

يململ هذا الفضاء

ويهفو له الخفقان

هوى إذ روى

واستبد الجوى

بمجامعيه،

وتقاطيعه،

وانتهى المهرجان

دخان

دخان

رعيت الأوز وأطعمت بين يديك الحمام،

وما شاب قمحي زؤان

وأعرف ما كنت إلا الغلام القتيل،

وسياف نفسي أفردت جدا

فمن أين يأتي ائتمان

دخان،

دخان

يموت الندى كل يوم

ويذبل في حبه البيلسان

دخان على القلب هذا الدخان

دخان،

دخان.

البداية

 

قصيدة يونانية

(إلى هنري ميللر)

مشبع بالرنين

مشبع بتفاصيلها

وبسيط كخيط الأنين

وهي حبلى بأشياء غامضة،

غالبا ما أجيء نضارتها بعد حين

مشبع بالرنين

قرب سورلبيت

يظل بمكنونه لا يبين،

وآنا يبين

كيف أملأ هذا الفراغ إلهي

وأخفر ساحل أهدابها

برياش الحنين!

إنني ميت لا محالة من فرحي

وأسيف

وبي نفحة مثلما قيل لي

من سلالة قوم،

قضوا

عاشقين

مشبع بالرنين

البداية

 

الليل والقنديل المطفأ

الليل وقنديلي المطفأ

والصمت المطبق والجدران

وصرير الريح الضائع في جوف الليل

ونجوم شاحبة تغرب , صفراء اللون

وبقايا أغنية يلفظها مذياع

سكبت في قلبي الأحزان

جمعت في بيدر إحساسي الأشجان

وانثالت في روحي شلاّل عذاب وهوان

وأنا والقلب وهدبي المبتل

نجترّ الحزن ونقتات الحرمان

نركض خلف الحلم الهارب منّا

الحلم النائم في إيوان الغيب

ما زلنا نحلم أن نلقاه

في درب العمر ولو مرّة

كي يملأ دنيانا فيض سناه

فلقد أعيانا عبء الصخرة

عبء يرسب في أعماق منانا الحسرة

يرمي بالسهد طيور القلب

ونظلّ نطارد في الوهم خيالا

ونجوس التيه ونعبر غابات الموت

ويظلّ القنديل بلا زيت

وأنا والليل المطبق

أشلاء ضائعة تتمزّق

تضنينا الأشواق فلا نشكو

ونموت إذا عرّتنا الشمس

أو سبرت منّا الأغوار

ننشد في ظلّ دروب الغربة والترحال

نهرا يغسل فينا الأحزان

ننشد شمسا تدحو عن درب العودة أشباح الظلمة

ننشد نجمة

تحضننا في ليل اليأس

تهدي خطوات القلب

للحلم الضائع , للطفل الغافي في حضن الغيب

علّ جراحات الأمس

تخمد جذوتها ويجفّ غدير الأحزان

ونذوب صلاة

ونعود كمن يحرث في الملح

لا نجني غير عذاب الجرح

غير ضياع الأحلام

لنعيش كأغراب تحت الشمس

ما زلنا نحمل فوق الصدر بقايا الأحزان

نصرخ في وجه الأيام

نتحدّى في إصرار جلاّد العصر

وسياط الغربة تدّمي فينا الوجدان

ما زلنا نمخر في الليل دياجير العمر

ننهل من كأس الصبر

ومع الخفقات ونوح الآه

تورق أزهار محبّة

تولد رغبة !

البداية

 

عن الصمت والكلمات

أضمّ يدي على جرحي

وأخنق في قرار القلب تنهيدة

وأمضي في الأسى وحدي

وليل الصمت يطويني

وأشرب خيبة الكلمة

وأجرع غصّتي والحزن يضنيني

وفي قلبي نداء لاهف ما زال يدعوني

يشبّ حرائقا في أضلعي ويشدّني للخلف

ويزرع في عيوني الخوف

فأوغل في متاهاتي

أواري الحزن في طيّات أغواري

وأطمر في رمال الغيب أسراري

على شفتيّ قد صلبوا حنين الحرف

أهانوا عفّة الكلمة

أرادوا الموت للكلمة

أرادوا الصمت للشاعر

وما حسبوا بأنّ الحرف بحر ما له آخر

وأنّ المجد للشاعر

البداية

 

الليل والقنديل المطفأ

الليل وقنديلي المطفأ

والصمت المطبق والجدران

وصرير الريح الضائع في جوف الليل

ونجوم شاحبة تغرب , صفراء اللون

وبقايا أغنية يلفظها مذياع

سكبت في قلبي الأحزان

جمعت في بيدر إحساسي الأشجان

وانثالت في روحي شلاّل عذاب وهوان

وأنا والقلب وهدبي المبتل

نجترّ الحزن ونقتات الحرمان

نركض خلف الحلم الهارب منّا

الحلم النائم في إيوان الغيب

ما زلنا نحلم أن نلقاه

في درب العمر ولو مرّة

كي يملأ دنيانا فيض سناه

فلقد أعيانا عبء الصخرة

عبء يرسب في أعماق منانا الحسرة

يرمي بالسهد طيور القلب

ونظلّ نطارد في الوهم خيالا

ونجوس التيه ونعبر غابات الموت

ويظلّ القنديل بلا زيت

وأنا والليل المطبق

أشلاء ضائعة تتمزّق

تضنينا الأشواق فلا نشكو

ونموت إذا عرّتنا الشمس

أو سبرت منّا الأغوار

ننشد في ظلّ دروب الغربة والترحال

نهرا يغسل فينا الأحزان

ننشد شمسا تدحو عن درب العودة أشباح الظلمة

ننشد نجمة

تحضننا في ليل اليأس

تهدي خطوات القلب

للحلم الضائع , للطفل الغافي في حضن الغيب

علّ جراحات الأمس

تخمد جذوتها ويجفّ غدير الأحزان

ونذوب صلاة

ونعود كمن يحرث في الملح

لا نجني غير عذاب الجرح

غير ضياع الأحلام

لنعيش كأغراب تحت الشمس

ما زلنا نحمل فوق الصدر بقايا الأحزان

نصرخ في وجه الأيام

نتحدّى في إصرار جلاّد العصر

وسياط الغربة تدّمي فينا الوجدان

ما زلنا نمخر في الليل دياجير العمر

ننهل من كأس الصبر

ومع الخفقات ونوح الآه

تورق أزهار محبّة

تولد رغبة !

البداية

 

العابر

كان يمشي واهي الخطو حزينا

شارد الطرف رهيبا في خطاه

وجهه المغبّر يطوي ,

في تجاعيد الأسى بوح جراحه

كان في أحداقه سيل دموع

ولقد كان سجينا

بإسار الصمت , باستغراقه في الحزن ,

والتحديق في الأفق البعيد

ومضى عنّا وما عدنا نراه

دون أن نفلح في إدراك أغوار أساه

ظلّ لغزا في العيون

مثل وهم لا يصدّق

ظلّ باب في ضمير الغيب مغلق

نحن كم جئنا إليه

وابتهلنا أن يعرّي ,

حزنه المدثور بالكتمان والصمت الرهيب

وفتحنا شرفة القلب له ,

وغمرناه بسيل من حنان

كان لا يعرف معنى الإبتسام

كان يحيا عمره دون كلام

فهو دوما صامت الحرف يعيش الكلمة

في أتون الشوق في عينيه في قلب الحياة

أمس والظلمة كانت تحضن البلدة والليل حزين

كنت وحدي ,

أعبر الدرب إلى بيتي القديم

أنقل الخطو وفي الأعماق ينمو ,

ألف إحساس كئيب

ينسج الليل مع الوحشة والخوف طريقي

كنت وحدي وخيالات من الأمس القريب

زاحمت فكري وهزّت ,

خافقي الثاوي بعمق اللاقرار

وتحقّقت يقينا

أنّ درب الغربة السوداء دربي

أنّني أمخر في المنفى بحارا وبحار

مرفأي ضيّعته , والمركب المهزوم تنئيه الرياح

فجأة لاح أمامي ,

ذلك العابر يمشي واهي الخطو حزينا

جفّت البسمة في قلبي ,

وكأن الليل ينساب كئيبا

يسكب الحزن الأصيلا

في وعاء الروح , في عمق قراري

ذلك العابر قد عانق ظلّي

يوقظ الأمس فلا يجدي فراري

من خيوط نسجت في الحلم في ليل السهاد

جعبة الأحلام ضاعت بين أكوام الضباب

وتلاشيت وحيدا في الزحام.

البداية

 

أغنية في الطريق

أحبابنا ,

هل يبسم الزمان مرّة لنا

وهل يعود حبّنا

يعانق الحياة , يسكب المنى

في غور أعماقنا ؟

أحبابنا ,

هل يفرح المعذّبون في متاهة الضياع ؟

وهل نظلّ نمضغ السؤال

ونذرع الطريق في ابتهال ؟

وفي المسير نحو موعد تزفّه لنا الصدف

إن كان يا أحبابنا الجواب أن نظلّ سائرين

يا ويلنا ,

يا ويل أعمارنا

من طول ما نسير

في دربنا المغبرّ الحزين

في ليلنا الطويل دونما سنا

***

الله يا أحبابنا

يا بؤسنا وعذابنا

ويا احتراق الشوق في أحداقنا

ترى يطول بيننا البعاد ؟

ترى تظلّ هذه الأسوار بيننا

تحيل حلمنا رماد

تمزّق الفؤاد ؟

أحبابنا وأنتمو هناك في البعيد

فوق احتمال الوعد واللقاء

وفوق أن يضمنّا مكان

نعيش رغم قسوة الجدار

نعيش في انتظار

بشارة بوعد

بكلمة تضمّ في حروفها الحنان

***

أحبابنا سيضحك الزمان

رغم امتداد السور بيننا

فرعشة الحياة في الفؤاد

خفّاقة المنى ,

تمدّنا ببسمة الأمل

تنير دربنا

البداية

 

أيار والأحزان

لو مرّة أيار تأتينا وفي شفتيك وعد أو بشارة

لو مرّة تحنو , تعانقنا , ومن كفّيك تمنحنا الشرارة

لو تطفأ الأحزان في عينيك يا ذلاّ حملنا ,

في دروب النفي عاره

كنّا ورغم الغربة السوداء نبسم , نستفيق ,

يشعّ في كلماتنا نور العبارة

كنّا هدمناها جسور الوهم أبحرنا إلى عينيك يا وطني

كنّا نسيناها أغاني السهد والحزن

كنّا زرعنا الأفق يا أيار أنغاما

كانت مواويل العتابا , ميجنا

تندي روابينا حنينا دافئا , خصبا , سلاما

لكنّما أيار أنت تثير بي شجني

البداية

 

الإبحار والمركب

تتلفّت العينان حولي لا أرى

إلاّ صحابا ها هنا متفرقّين

تتجسّد المأساة في نظراتهم

صورا من الأحزان والألم الدفين

ويروح يمخر في عباب البحر مركبنا الحزين

ونظّل نغرق في دياجير السنين

والليل يا أيار في بلدي ,

جدار يصفع اللحظات من أعمارنا

سوداء إذ تأتي ولا جدوى ,

وهذي الريح تلعن خطونا

البداية

 

الحصاد

ها نحن نحصد ما زرعنا ,

والحصاد العام أحزن ما يكون

فمواسم الأيام ما أعطت

وجفّت كلّ أزهار الفصول

وسماؤنا يا ليل موصدة , ملبدّة

سحائب من تراب

والريح تركض خلفنا , وتصبّ لعنتها

ويمضي الركب , يوغل في مفاوز غربة الحزن العميق

يا حادي الأحزان نحن بلا دليل

ضاع الطريق

ضاع الطريق

وحداؤك النوّاح أعماق معذّبة جريحة

ينثال في غور الجوانح أنّة حيرى ,

تردّدها الصحارى ,

تسكب الأحزان في الكلمات ,

تغرق في بحار التيه والصمت المخاطيّ الجدار

البداية

 

الغنوة الأولى

غنّيت يا وطني ,

وكانت غنوتي الأولى مبلّلة بأحزان الرحيل

وعشقت يا وطني ,

وكانت من عشقت صبيّة حسناء من يافا ,

فلسطينية القسمات تبسم للشعاع ,

يطلّ , يحمل رعشة الأنسام ,

تجزع إذ تلوح خطى الغروب

كانت تغنّي للصباح

ينداح موج الذكريات على الجفون

ويروح يصفعني العذاب ,

ولسعة الأشواق والليل الغريب

الصمت إذ يمتدّ , يحبل بيننا في الليل أحزانا رمادية

تسّاقط الزهرات يا وطني

ونسمع كلّ يوم ألف أغنية .

فلترسل الأنّات , غنّ عذابنا ,

يا حادي الآلام يا مبكي الجراح

فلعل يغفو الجرح أو يتفجّر البركان

قد طال هذا الليل في بلدي ,

وقافلة الضياع تلجّ عبر غياهب المجهول تحملنا ,

وفي الأحداق زاد من رؤى الأحباب خلف السور ,

منسيّون نحن هنا ومنفيّون تلعننا الرياح .

البداية

 

نهر بلا روافد

رفيقة هدبي المكسور

أعود إليك حين تزورني الأحزان

أعود إليك كلّ مساء

شريدا دونما بيت

أعود إليك مثل يتيم

يودّع بالدموع لحود أحبابه

تغلّفني كآبة عمري المنشور فوق جدائل الحرمان

ويصلبني حنين الآن

إليك إليك يا شمسا ربيعيّة

تذيب صقيع أحزاني وتحضن قلبي المقرور

تهدهده بعذب الوهم , تلثم جرحه لمسات تحنانك

وأعرف أنّني نهر بلا روافد

يعود إليك يغرق أرضك السمحاء بالأشجان

وأنّك وهمة الوافد

ظلمتك حين شدّتني الخيوط إليك ,

وحين تجمّعت كلماتنا نجما على بابك

وحين وضعت زادي فوق مائدتك

غريبا كنت أمضغ غربتي السوداء في الطرقات

تطاردني وحوش الأرض كنت مقيّد الخطوات

وكنت مطيّة للصمت والأنواء

تقاذفني إليك وكنت أنت منارة ,

في الشاطىء الآخر

عبرت إليك جسر الحزن بعد عناء

وكان الوعد منذ وجودنا أن نلتقي غرباء

وتصافحنا بلا أيد ولا نظرات

تكلّمنا بلا حرف بلا بسمات

جمعنا الحزن والصمت العميق فعزّت الكلمات

وأذكر أنّني مذ كنت لم أحلم كما الأطفال

بثوب العيد والحلوى

ولا منّيت أيّامي بعودة غائب ,

يجتاز عتبة حزني الفيّاض , ينشر بهجة الدنيا

فماذا , لم يكن في الدار نجم الحبّ يحضنني

يبرعم في غدي الآمال

ويمسح عن جبيني حرقة الشجن

فأبصرت العذب يحوط سور حديقتي ويشوّه الأزهار

لمحتك حينما عيناي يا عمري تفتحتا ,

وكانت حفتني أسرار

دنوت إليهما ,

صلّيت للآلام لحظة أن دنوت ,

وما ابتسمت ,

قرأت تاريخ الضياع على جبينك , كنت مثلي ,

مقودي في قبضة الغيب

على كتفيّ أحمل بؤس أقداري

وألوانا من الغربة

فعانقني حنينك يا معذّبتي ,

ونوّح في فؤادي بوحك الصامت

تلاقينا على الحرمان في ظلمات هذا العصر

ولم نعرف كلانا كيف نشدو غنوة الحبّ

لأنّا ما ابتسمنا قبل , لم نحلم بفرحته ,

وما هي خفقة القلب

كنّا نخنق الآهات , نطفىء في مواقد حزننا أوهامنا ,

ونذيب شوق العمر

مشينا دربنا يمتدّ , ترصدنا عيون الموت

وغنيّنا فضاع نشيدنا في وشوشات الصمت

البداية

 

اللغو بالكلمات

صمتنا كلّ هذا العمر لم نرفض ولم نحتج

ولا يوما تمردنا وعفنا ليلنا المقرور

نسامر نجمة الأحزان لا زاد أسوى الحسرة

نلوك سنين ماضينا البعيد ونخنق الغصّة

بقلب واهن مقهور

وسائدنا من الأحلام , نزرعها بأرض الغد

ونغفو في انتظار الغد

وينفض غيرنا عنهم غبار الذلّ ,

نرسف نحن في قيد رضيناه

نظلّ نعيش هذا الرعب تنفثه أفاعي الليل

تنزّ دماؤنا والصمت يخرسنا وهذا الرعب

إلام نظلّ نحرث في حقول الجدب ؟

تروّعنا رؤى الأشباح , يرعبنا قدوم الموت

إلام يطول هذا الصمت ؟

إلام نظلّ ننسج في الخفاء قصائد الأحزان ,

نذرف دمعنا تحت اللحاف إلام هذا الخوف ؟

***

- جبان أنت

جبان أنت حين تصلّبت شفتاك , حين صمت

وحين رميت رأسك بين كفّيك الملوّثتين ,

تلتمس الرجاء المرّ نسيانا

وتلغو الآن بالكلمات

ترى ماضيك , تخجل ,

تغمض العينين , تقصي ذكريات الأمس

وتنكرك الدروع وعنتر العبسيّ مات

ووحلا قد غدت في ناظريك الشمس

فلا دفء يسلّ الرعب من عينيك ,

يدحو عن دروب التيه ليل اليأس

تظلّ تعيد في حزن ,

حكايتك القديمة عن سنابل حقلك المهجور

بيادرك الدفينة في عيون الحزن ,

كيف حرمت من خيرات ذاك الصيف ‍‍‍

وكيف غزتك أسراب من الغربان

أبادت كلّ ما جمّعت من غلّة

فأقفرت السهول أسى , نعيق البوم عمّ مقابر القرية

وكان زقاق قريتك الحزين مقّطع الأنفاس

سنابك خيلهم داست بطون الناس

***

وراء الباب كنت مطّية الخوف

فلم ترفع بوجه الغول مقبض سيف

وتلغو الآن بالكلمات ؟‍

البداية

 

المصلوب

لأني حينما أبحرت في عينيك كان الحزن موّالي

وكان الجرح في أعماق أعماقي ,

ينزّ دما ويروي ذلّ مأساتي

لأن الخيبة السوداء كانت كلّ ما جمعّت ,

قبض الريح كان الحصاد ماضينا

تكوّمنا على قش الحصير نلوب بالحسرة

وفوق الموقد الناريّ قدر للحصى والماء

وقاسية نيوب الجوع خالية روابينا

لأنّ سواعد الإخوان ما اتّحدت

ولا وقفت

تصدّ عن الحقول جراد ذاك العام

فبات الحزن فوق شفاهنا نغما نغنّيه

نجوس العمر يا ويلاه من تيه إلى تيه

لأني حينما أبحرت في عينيك كان الحزن موّالي

تريّن الحبّ في عينيّ غير الحب

رهيبا يرفض البسمات , قلبي غارقا في الجبّ

***

وكنت على جدار الليل مصلوبا

وكان الصمت جلاّدي

لأن الحرف مثلي كان مغلولا بلا شفتين

وكان السوط مرفوعا ولم أهتف

خرست وكان في الأعماق توق الروح للكلمة

يعذّبني ولكن لم أقل حرفين

لأني كنت في الزحمة

غريبا ضائع الخطوات منسيّا

وكنت أعيش في منفاي كلّ جروح إخواني

وظلّ العار يتبعني

ولم أعرف سوى حزني

رفيقا يحمل المأساة يرويها لخلاّني

ترى هل تدركين الآن ما حزني ؟

كبير قدر قريتنا الكئيبة وهي تغفو ضمن أطلال الأماني

غريب يا معذّبتي

لأن جذوره تمتدّ في عينيّ مذ قالت ,

لي الريح السموم بأنّنا أغراب

وأنّ حصادنا ما كان غير سراب

فلا نجم المجوس يطلّ , يفضح عتمة الدرب

ولا إشراقة في ليلنا المملوء بالرعب

تلّم شعاثنا وتفجّر البركان في شعبي

فكيف تنوّر الأحلام وهي قتيلة ,

مذ عانقتني نظرة العينين ؟!

ألا تدرين أني مثقل ومقرّح الجفنين

وما في جعبتي غير الأسى وحكاية للجرح ؟

فخلّيني

تعشّش في شراييني

عناكب حزننا المشبوب , خلّيني

أغني للرياح الحاملات أنين إخواني

لغربتنا ونحن نكابد الآلام , نطعم ذاتنا للحرف والفكرة

أموت , وهل تموت الشمس لو طالت خيوط الليل ؟

سيزهر حزننا , إمّا يعانق شعبنا فجر الخلاص ,

ويكسر الجرّة .

البداية

 

السنابل القتيلة

لو أنّها الرياح في مدينتي

تكنّس الغبار عن رفوفها

وتغسل اليباب بالمطر

وتبعث الحياة من خريفها

لو أنّها الرياح أو سواعد الرجال

تمرّ بالحقول في المساء

لتسمع النساء

ينعين موسم الحصاد , والجفاف

أذبل في العيون زهرة الفرح

فهنّ في ابتهال

لئن تعود نخوة الرجال

فالشوق والحنين والعذاب

سحابة من الأسى تنوح

على السنابل القتيلة

على مدينتي اليباب

على رجالها الذين يبحرون

في زورق المنون

عن قلبها , عن جرحها الحزين

ويصمتون ,

ويصمتون

ويصمتون

البداية

 

يوسف في الجبّ

كلماتك يا حادي الركب حزينة

كلماتك ريح والليل ذئاب مجنونة

والقادم غبّر بالوحل جبيني

وأنا مطعون

عذّبني الأعداء لآني

لم تعشق عيناي سوى وطني

صلبوني في الغربة يا حادي الركب

قيدّني إخواني

ورموني في الجبّ

قتلوني بجواب الصمت

قتلوني يا حادي الركب لأني أحببت .

البداية

 

مأساة الصبي الأعرج

سيّدتي حين أطلت عليك المشوار

في إحضار الخضرة والفاكهة من السوق

لم تسألني عيناك الأسباب

بل صفعتني نظرتك الشزراء

لم يخطر في بالك أنّ الأولاد الأشرار

لاقوني في الدرب

هزؤا من قدمي العرجاء

فتعثّرت

واعتصر الحزن القلب

سيّدتي ما كنت لأملك دفعا

سيّدتي يكفيني صفعا .

***

سيّدتي هذا الصبح المغبّر الطالع

قمّطني في ثوب الأحزان

صادفت أبي يتسوّل في الشارع

أخبرني أنّ شقيقتي الكبرى تضع الآن

و شقيقتي الكبرى أرملة من أيام

فتذّكرت البيت الخاوي من أيّ طعام

ما عادت تغسل أمي للجيران

ما عادت تحضر معها بعض الفضلات

حين صرخت أبي فرّت من عينيه الدمعات

وأسودّ العالم في نظري

ماتت كلّ الكلمات

وبكينا فوق رصيف الشارع

سيّدتي لست بكذّاب

لكّني منحوس الطالع

توصد في وجهي الأبواب

حتى بابك يا سيّدتي

***

سيّدتي عفوك إني جائع

ما كنت لأقصد بابك هذي الأمسية

كنت وحيدا في الشارع

قالت أمي ما أفطرنا بعد ,

والوقت مساء

عزّ على نفسي أن تسأل عطف الناس عطاء

فوجدت يدي تطرق بابك

سيّدتي أنا فقراء

سيّدتي باع أبي فرشته الصوف

وربابته المحفوظة من عهد صباه

ثمنا لحليب حفيده

فلقد ماتت يا سيّدتي الأم

إثر نزيف

دام طويلا , عذّبها , عذّبها

ما استطعنا أن نحضر أيّ طبيب يبعد عنها الداء

سيّدتي نحن أناس فقراء

ماتت يا سيّدتي وأبي صامت

كان يفكّر في حزن , يتساءل , ولماذا ماتت ؟

قالت أمي : تلك مشيئته العليا

ردّ أبي في ثورة

صكتا , صمتا

أيّة عليا يا مخلوقة

بنتك ماتت جوعا

ماذا قدّمت لها حين ولادتها غير الخبز الناشف ؟

والمرق الساخن والعدس المجروش ؟

ماذا قدّمت لها غير الأحزان ؟!

وبكت أمي في صمت مجنون أخرس

سيّدتي جئت إليك الآن

أسألك الرحمة سيّدتي باسم الإنسان

***

سيّدتي هذا اليوم السابع

ووعودك لم تزهر يا سيّدتي

ما زالت تسّاقط أمطارا , وتمّنيني بالصبر

وأنا ما زلت ألفّ دروب التيه , أنا ما زلت الضائع

لم ترو الأمطار غليل الظامىء

فيلوذ بظلّ الخيبة سيّدتي , لا يدرك ما هو صانع .

سيّدتي درت كثيرا في الطرقات

وبحثت عن اللقمة سيّدتي فعملت بإحدى الحانات

أجلي الكاسات

وأنظّف أرض الصالة بعد خروج السادات

سيّدتي لكنّ الأيام السوداء

تأبى إلاّ أن تستكمل أبعاد المأساة

ذات مساء

وأنا أعمل والصالة رقص وغناء

إنشقّ الماء

عن شبح لصبيّ يتسوّل بين الناس

أحسست بأني وحدي المقرور

في قبضة هذا الليل المسعور

فارتجفت أوصالي

وتذكّرت أبي ,

أمي ,

أختي ,

فاضت عيناي بأحزاني

غامت كلّ الأشياء

وتهاوت من بين يديّ الكأس

كسرت ,

وصفعت , طردت , وعادت تحضنني الطرقات

لم أحزن يا سيّدتي لكن ,

ما زال يرنّ بأسماعي صوت حاقد

أخرج , أخرج

سيّدتي ما ذنبي في أنّي أعرج ؟

من حقّي سيّدتي أن أحيا .

البداية

 

أمام المدينة المقصورة

سيّدتي منذ أعوام مرّت

لم يعرف قلبي طعم البسمة

لم تسكب كلماتي فوق الورق الأصفر غير عذاب الجرح

والدلو , يظلّ الدلو ثقيلا

لا يطفح ماء , لا يعطي غير الملح

والبئر عميق , أعمق من أحزان الغربة

ما زالت تصفع وجهي من أعوام جدران الخيبة

توصد نافذة الأمل المشرق

تقتل أشواق الكلمة

حين يعانقها النور من الداخل

سيّدتي لا تسعفني الكلمات

ويجردني بعدك عني من ثوب الحكمة

أهذي في عرض الشارع بالأشياء

وأذيب حرارة حبّي بالبوح

أفقد وجهي بين نعال الغرباء

***

بيدي سوّرت سياجي

أطفأت سراجي

أجهشت بكاء

ومضيت ألفّ , أدور الأرض

أبحث عمّا ضاع هباء في سنوات الأخطاء

حين تعرّت ضحكتنا من نفحات الحب

حين تعاشينا عند الإشراق

معذرة يا سيّدتي إن جئت

أغسل قلبي الأسيان على أعتابك

سيّدتي ما زلت على فيض شبابك

وأنا ما زلت هنا أسترحم نظرة أهدابك

هل يمضي سيّدتي عمري ,

ويداي تدقّان على بابك ؟

البداية

 

الموت والخيبة

أحنّ إليك ما يجدي الحنين وبيننا ,

ليل طويل ما له آخر

أحنّ إليك لكن في زمان الجدب ,

ماذا يملك الشاعر ؟

سوى أنّ الرياح تظلّ تجحده ,

يهمّ يعود , تصفعه أياد غير منظورة

تردّ خطاه , يجرح علقم الأحزان ,

أجنحة المنى في النفي مكسورة

خلاء يديه والحلم الذي ماتت أزاهره ,

على عتبات أيامه

يذوب تشوّقا للعيش , دبّ الجوع في بيداء أحلامه

يموت هنا , تراه يموت ؟!

وأنت بعيدة والليل ما أقساه

متى تدنو مراكبنا ,

ألا قولي , متى , أوّاه ؟

البداية

 

راية في الريح

بحثت بأدمعي عنكم

وناشدت الرياح السود عن أحوالكم خبرا

صدى ذكراكم ينداح في غور الجوانح ,

كاحتراق مشاعل الذكرى

ولا من بارق منكم

يمنّيني وينعش قلبي المحرور بالأفياء

ترى ما زلتم أحياء ؟!

يعذّبني الغياب فكيف يا اهلي تغربتم ؟

عن الليمون والتين

وعن عشّ الحساسين

على الزيتونة التي حفرت على أغصانها أسمى محبتّكم

عن البلد الذي روّت ثراه دماؤكم ,

في ساعة الهول التي كانت سنابكها .

تدوس زهورنا الخضراء , تفرش أرضنا حزنا ؟

تشرّدتم

ولكن ما تخاذلتم

ولا بنتم

عن الأرض التي في قلبها يوما توحّدتم

وها أنتم بلا أرض ولا دار

***

وعدت إليكم عبر الليالي السود من منفاي

أقاسي خيبة الآمال ,

أبحث عن أحبتي الذين طواهم الغدر

على جسر الدموع وجدتكم , لا ظلّ , لا مأوى

ولا زاد , ولا سلوى

تمدّدتم على وجع ,

على جوع ,

على عري ,

رفضتم ذلة الشكوى

وكان الحزن يرفدكم , يمدّ وجودكم معنى

يشدّ خطاكمو للأرض ,

يزرعكم بعين الشمس وهج تمرّد , قمما .

***

قدمت إليكم وقد افترشتم حلّة الغبراء

وكان ندائي المكموم

يعانق جرحكم والأرض تصرخ ,

- غاص نبع الصفو , غشّى

جبهة الأفق الكئيب وشاح أرملة ,

حنت ريح المنايا غصن واحدها

فأحلكت الدروب أسى ,

ومات الصبح مخنوقا على بوّابة الأحزان-

" يا تعبي , يا شقاي .

يا شماتة عداي "

نواحك أيقظ الأوجاع في صدري

وأطفأ في عيوني شعلة الفجر

رأيت تحّجر الآلام في الأحداق

سؤالا حائرا مجروح

إلى أينا ؟

تظلّ قوافل الأحباب تغرب عن بيادر ارضنا , تنأى

يرافقها حنين النورس الباكي إلى مرفأ

ارقب يا أحبائي خطاكم وهي تعبر ضفّة النهر

وفي عينيّ أحمل ما بأعينكم من الأحزان والقهر

فمي سدّ أمام تفجّر الكلمات

تعذّبني من الأعماق

وتغرس شوكها في قلبي الدامي

لأن الصمت والكلمات ما أقساهما مأساة

فيا عاري إذا ما زالت الكلمات

سلاحي , والطريق علامة حمراء

فكيف أصمّ آذاني وأقعد عن نداء الأرض والشهداء ؟

وفي عينيّ إصراري

وشاهدة كتبت حروفها من جرحي الناري

لترفع فوق قبري راية في الريح

" فلسطينية أرضي

فلسطينية أرضي "

البداية

 

جراح فلسطينية

ولو أنّ الطريق إليك ميسور

لما وهنت خطاي , وسمّرت نظراتي اللهفى وراء الباب

ولا سهدت عيونك في انتظار زيارة الأحباب

ولا ما بيننا حال العدى والموت والسور

ولكنّ الثعالب في ربوعك تزرع الأهوال

وتغتال ابتسام الصبح فوق مباسم الأطفال

" يا دار , يا دار ,لو عدنا كما كنّا

لاطليلك يا دار , بعد الشيد بالحنّا "

معتّقة جرار الحزن من عشرين في قلبي

اشيل عذابها الموروث في روحي وفي هدبي

ولا أسطيع إفلاتا ونسيانا

وتصفعني عيون الغير في المنفى تعرّيني

تشير إليّ ,

- أين تروح , أيّ هوية تحمل ؟

.....؟

- فلسطيني , أجل إنّي فلسطيني

هويتي العذاب يظلّ مصلوبا على وجهي ويدنيني

من الينبوع في وطني , هناك " بكفر عانة " وجهي

المفقود وجهي الأصل

وأعبر دربي المزروع بالنظرات والعتمة

وأعبر دونما كلمة

ألوذ بصمتي المشحون بالمأساة

وأحضن حزني الموّار , أركن للأسى الخلاّق يبعثني

ويزهر في غد حقلا من البسمات

أذيب به عذاباتي

وترحل عن فمي مرّ الحكايات

وتحملني الرياح على متون الشوق للأحباب

أعانق طفلة الفجر الجديد وأطبع القبلات فوق جبينها القمحي

وأشدو غنوة الفرح

ولكن آه .. موصدة هي الأبواب

ويأتي صوت والدتي العجوز مبلّلا بالحزن والأمل

" بالله يا طير الحي إن جيت دارنا

ريّض إلا يا طيرنا وارتاح

قل لها بحال الجهل يا طول عزّنا

ياما قعدنا ع الفراش صحاح

يا من درى يصفى زماني وأعاتبه

وأعاتبه باللي مضى لي وراح "

ويزداد الحنين ويقطر الموّال أشجانا

متى يصفو الزمان يعود كلّ مشرّد لتراب أوطانه ؟

يقبلّه , ويجثو في اخضرار الجرح فوق قبور من ماتوا ,

يقول لهم ,

لقد عدنا فلا تبكوا على الأحياء

ونرقب رزقة الفقراء

متى يصفو … ؟

متى يصفو … ؟

أهاجر في العيون أطالع الحرمان

" يا دار.. يا دار..لو عدنا …"

لئن نامت على شرفاتك الأحزان , غنّى طائر الألم

يظلّ هواك نبض دمي

وإن هدموا الجسور إليك , أبحرت المراكب عنك للمنفى

فأنت معي

فأنت معي

وإن سيق البنون , مواكبا للسبي يا وطني

وإن هاموا بصحراء الدجى والتيه والشجن

وإن طعنوا بسكين الطوى في عتمة الليل

وإن نهبت مواسمنا بلا عدل

وإن طالت حبال النفي والبين

فلن ننساك , لن ننساك , يا وطني

فما زال الوميض يشعّ في الأحداق

وميض الرفض , والإصرار والثورة

وما زال المشرّد في الطريق إليك يا حلمي ولن يثنيه

عذاب الغربة المرّة

لأنك فيه أنت الروح , أنت الوهج والفكرة

البداية

 

النسيان , لا

ربطت حول إصبعي الخيطان

وقلت لا , لا يقدر النسيان

أن يسرق الهموم من قصائدي والذاكرة

لأنني مذ كنت لا أجيد حرفة النسيان

لأن قلبي شقّ ذات يوم

وضاع نصفه ,

وذاب في قرار حوض دم

لذا أسير عاريا في وضح الظهيرة

بنصف قلب

أمضي لموعدي هناك مع حبيبتي الأميرة

عمواس يا أميرة

يا حرّة في قبضة العدى أسيرة

عمواس يا قصيدتي الأخيرة

البداية

 

العروس

من الرماد يولد الرجال يا عمواس

من السقائف المهدّمة

ترابك المجبول بالدماء ما يزال مزهرا

يظلّ يحمل الشذى

عبيرهم يظلّ عالقا , على بقية الجدران يا حبيبتي والمصطبة

عمواس يا معذّبة

أتعلمين يا عروس

أتعلمين عن طيورنا المغرّبة

تجيء مثل الريح والرعود والمطر

تشيل في منقارها لجرحك الدواء

فلترقبنّ في الليالي المعتمة

أسرابها إليك قادمة

عمواس يا مهدّمة

عمواس يا مهدّمة

الرمح بعد ما انكسر

الرمح بعد ما انكسر

البداية

 

ريم وانسكاب الجرح

تسألني الصغيرة

تجرحني أصابع البراءة الصغيرة

تقول لي :

" عمو..

وين بيتكو ؟"

الله يا عصفورة

من بدّل الألعاب للصغار بالعذاب

ليسألوا بحيرة ؟

إن كان لي أن أنطق الجواب

فكيف تفهمين يا صغيرتي سطوره ؟

بيتي على المدى هناك داميا ,

في أرضنا المقهورة

تبكي على شبّاكه شحرورة

تبكي لنا ,

لكلّ شعبنا لكي نزوره

البداية

 

عابر الليل

إنني أحمل آلامي وأمضي

عبر آلاف الدروب الشائكه

ليس ينئيني ابتعاد

عنك يا ذات العيون المالكة

فأمديني بشوق لا يموت

إنّه حبّي باق في قرار الأرض يا عمواس ,

منقوش على كلّ البيوت

آه عيناك تحيطاني , تطلاّن عليّ

كيف لي أن أملك الآن مفاتيح الحوار

وحقول الصمت تمتدّ أمامي ,

وأنا أخشى من الأعتاب أن ترفض خطوي ,

قبل أن يأتي النهار ؟

ويراني الغاصبون

كلّموني أيها الأحباب من تحت الركام

جئت مشتاقا إليكم

جئت وا لهفي عليكم

بعد عام

كلّموني ,

كلّموني

البداية

 

السجين

أحكموا الباب عليّ

أغلقوا كلّ الشبابيك وجاؤوا بالستائر

حجبوا عني ضياء الشمس والوجه الذي أهوى ,

وأطفالي الصغار

فتتّوا ما كنت أحوي من سجائر

كسروا ظهري بعقب البندقية

ثم قالوا : أتهاجر ؟

قلت : يا ليت فقلبي صار طائر

وأنا لا أملك الآن زمامه

قيل تبقى ها هنا حتى القيامه

قلت : أحلى في بلادي

تستحيل النار بردا وسلاما

وانثنوا ضربا على رأسي بأكعاب البنادق

قلت : ما همّ فقلبي صار عصفورا ,

وأغصاني حدائق

قلت قلبي صار زرعا وسنابل

أشعلوا فيه الحرائق

واعلموا أنّ جذوري سوف تبقى وتناضل

أحرقوني

يخصب الأرض رمادي

البداية

 

العاصفة

أخفضوا الأصوات , خلّوا السلاح خلوا ,

لتمرّ العاصفة

حان أن تذرع هذا المسرح المخدوع بالأوهام ,

فالطفل الذي طوّف في المنفى يعود

باحثا عن أمه المسبيّة الأحلام من عشرين عام

بعدما أنبت هذا المسرح الكاذب في العينين صبّارا وشوكا

فالهتافات وأزهار الوعود

لم تكن إلاّ ظلالا زائفه

حان دور العاصفه

****

مثلما يطلع صبح

مثلما يعبر رمح

في صميم الليل ماتت كلّ غيلان الأساطير ,

ترامينا على الأبواب , كسّرنا مرايانا القديمة

فاحضنينا

وأعيدينا من المنفى إليك

أنت يا ضوء ليالينا , ويا خبز اليتامى

يا اشتياق الظامىء الملهوف أن يروي غليله

منك يا روح القبيلة

أنت يا رفض المزامير التي بحّت أسى مرّا ,

ولم تخرسك أجراس الهزيمة

البداية

 

إشراقة الصعود

برغم هذا الليل يا رفيقتي الحزينة

برغم جرحنا الذي ينام واهنا على مشارف المدينة

كقطّة تموت في سكينة

ترود عيناها على وليدها يلهو به الصغار

برغم هذا كلّه

نغذّ خطونا لرحلة انتصار

كما يغيب الليل مدبرا ,

سيقبل النهار

***

لمحتها على جرائد الصباح والمساء

كنّا معا ,

عيناك كانتا بحيرتيّ شقاء

وكنت حانيا عليهما ومشفقا

مهدهدا أساهما للحظة اللقاء

***

وقفت كالصليب يا رفيقتي على مداخل " الكرامة "

باركتها وشارعا فشارعا

صلّيت خاشعا

على غبار بابها

حلمت أن أموت واقفا على ترابها

لا باكيا على الأطلال

لا نادبا , لا راثيا من سقطوا ,

في حلبة القتال

فكلّ ما يقال

أصغر من أن يطال

ردما من البيوت

أو زهرة تموت

أو حبة من التراب

مجبولة بأشرف الدماء

لمحتها على جرائد الصباح والمساء

البلدة الصبورة الجلود

لمحتها واغرورقت عيناي

تألقّت إشراقة الصعود

البداية

 

العاشق والأرض

ذلك الشيء الذي أطفأ دفء الكلمات

كان عنوان حياة

حينما سيف المنايا وقعا

باسما كان رفيق الأمنيات

فايز العاشق والمحبوب والأرض معا

أمس ودّعناه في عرس من النار وعزم الأغنيات

ثم عدنا ,

نشعل الكبريت في الليل , نضىء

ألف قنديل على الدرب لتمضي القافلة

فهو سوما سيجيء

من فؤاد العائلة

ما شققنا الثوب آن

لوّحت كلّ المناديل لتابوت المسافر

ملحوظة صغيرة :

حينما لم نبك فايز

ليس معناه بأنا لم نعد نملك حسّا

والذي بين حنايانا حجر

إنّما نحن بشر

لم تكن تخلو خوابينا من الجوع وأكواب البكاء

وتلفّتنا ولكن ,

ليس من قلب على أحزاننا يوما شعر

فعزمنا بيننا ,

أن يظلّ الحزن في الداخل وعدا كالبذار

ورفضنا الإنتظار

وتسربّنا إلى الأرض , انزعنا كبرياء

مهرها ليس بكاء

مهرها ليس بكاء

***

" طلّت البارودة والسبع ما طلّ

يا بوز البارودة من الصدا مختلّ

بارودة يا مجوهرة شكّالك وين

شكّالي ع عاداتو سرى في الليل

بارودة يا مجوهرة شكّالك راح

شكّالي ع عاداتو سرى مصباح "

***

مثلما يأتي المطر

مثلما ينبت في الأرض الزهر

مثلما المشتاق يأتي من سفر

فهو يوما سيجيء

لم يمت فايز , من قال يموت

ذلك الحبّ الصموت

فهو كالنبع , ولّما هزّه التحنان للنور انفجر ..

البداية

 

أم صابر

مثل عمّال بلادي البسطاء

راح صابر

ودّع البيت صباحا مع جموع الثائرين

ومضى يهتف في الشارع مرفوع الجبين

وأعادوه مساء

***

كانت " الوحدات " عرسا من دماء

كلّ أم في انتظار

ابنها الغائب , كانت أمّ صابر

بعد أن أدّت صلاة المغرب الدامي تدعو ,

أن يجيء

ابنها صابر , لكن لم تعد ,

ضحكة الوجه البريء

سألت عنه الرفاق

أين صابر ؟

سألت حتى حجار الطرقات

ومشت في كلّ حاره

أين صابر ؟

أين صابر ؟

واحتواها الصمت , غابت في تلافيف المخيم

وصدى " يا كلّ أولاد الحلال

من رأى صابر من ؟

آه يا ابني تعال ..."

ظلّ مصلوبا على كلّ جدار

البداية

 

مقاطع من مدائن الأسفار

على جواد الانتظار

أرحل في المساء يا أحبّتي إلى مدائن النهار

أعانق الآتي على جناح ريح

تنشلني يداه من قرارة البحار

فأستريح

وتنتهي الأسفار

***

رأيت سيدي المسيح

يبكي على الضفاف

والنهر يستحمّ تحت غيمة من الدخان

أومأ لي وما ابتسم

وكان صمته اعتراف

بما يعاني من ألم

وراح في تطواف

***

رأيته على الخليج

ممتطيا خيول الحزن

يشكو من اغتراب

أعماقه تمور بالنشيج

سألته فما أجاب

وانسل ّمن عينيّ الزحام ,

عبر رحلة اغتراب

***

طوّفت وحدي في حدائق المساء

قبرّة بلا غناء

نادمت في الشوارع الملساءغربتي العجوز

وحينما جرعت كأسي الأخير واستضافني البكاء

مالت برأسها إليّ , تمتمت ,

الدمع يا صديقي الحزين لا يجوز

***

أحبابنا في الريح والأهوال والمطر

أحبابنا هناك في العراء

يسطّرون روعة البقاء

ويجدلون من عذابهم للمجد أغنيات

ويبسمون رغم قساوة الحياة

أحبابنا ,

والأرض ,

والإنسان في خطر ..

البداية

 

تورّق الأشجار

زنبقات الحزن في قلبي ,

يعانقن الظهيرة

يتساقطن على طاولة المقهى ..

ووجهي لوحة ,

ينقصها اللون الأخير

قهوتي تبرد في ظلّ الشبابيك الحزينة

وأنا أرقب أن تأتي ,

ولكن ..

خاننا التوقيت في هذي المدينة

أعرضت عن وجع اثنين مضاعين :

أسير وأسيرة

زنبقات الحزن في قلبي

يعانقن الظهيرة

***

" إمبارح جينا حارتكم

يا دار ما بيّنتو

يا علّة في الصدر

ما يداويها إلاّ انتو .."

والذي أحضرني اليوم هنا

كانت رصاصة

أخطأتني أمس أثناء العبور

حين تابعنا المسيرة

زنبقات الحزن في قلبي ,

يعانقن الظهيرة

***

عذّبتني وأنا أمضي إليها

عفّرتني برمال الأرض , آه

آه , كم كان جميلا

ذلك الرمل الذي ,

يمسح عن وجهي التعب

وهو يستنبت في قلبي ,

أشجار الغضب

***

أنا أحببت زهور الياسمين

منذ أشرعنا الكوى ذات مساء

صار حبّي شجرا ,

ينبت في كلّ الحدائق

فأنا أعرف أن الموت ,

قد يأتي وقلبي

بعد لم يفرح بزهرة

قطفتها لي يداك

فوق أرض الشام مرّة

فلذا أنزف محموما ,

لذا حبّي صادق

***

أستبيح الأرض عذرا

أمس في الطابور والخندق ,

عانقت ظلالك

كانت الغابة موسيقى ,

من الصمت وكانت

تورق الأشجار ,

مع صوت البنادق

فاستحال العرق المخلوط بالرمل ,

على جلدي رياحين وعطرا

وحضنت الظلّ كالطفل ,

وأسندت جبيني

مستريحا ..

وتنسّمت على مهلي

شذي أرض الوطن

***

تحت حدّ السيف يا حبّي ,

وفي ظلّ السلاسل

وعلى الدرب الذي يفضي ,

لساح الجلجلة

تطلع الآن من الجرح ,

أناشيد وعود , وسنابل

وشظايا فوق أرض المعركة

يا حبيبي ,

***

إنّني أفهم أن يبكي نورس

حينما يقضي سحاب اليوم جائع

وأنا أفهم أن تعبس ,

في وجهي الشوارع

حينما تبعد عن عيني الحبيبة

وأنا أفهم أنّ الانتظار

خطوة نحو مرايا الضوء ,

ميلاد خصوبة

وتباشير نهار

فلماذا صوتي الآن تيّبس ؟

***

إغرسي السكين في صدري ,

وخلّيني أموت

شهقة تتبع شهقة

في حنايا الزرع ,

في ظلّ البيوت

واسدلي آه على وجهي خرقة

ودعيني لندى الأعشاب ,

أبتلّ

فأحيا

وأعود

البداية

 

آثار جرح

من يمنح الحنان في بيروت

فاطمة التي شممت في حروفها ,

تنفّس الأعشاب في الحقول

فاطمة التي تمزّقت على أسلاكها ..

آهات قلبي الذبيح

راحت وخلّتني أموت

مخّيما

على ضفاف اليأس والسكوت

ماذا أخطّ أو أقول ؟‍

في دفتر الأوجاع والجروح

فالحزن في بيروت

يحاور الأشجار , يسكن البيوت

أبو فراس ها هنا يموت

من دون قيد الروم ,

ها هنا يموت

فلتفزعي إليه ..

***

وقفت خلف بابكم , ناديت

لكنّني أواه , ما افتديت

أنا الغريب

في أرضكم تدّعني ..

عيونكم , شفاهكم , قلوبكم

ويستمر , يستمر ..

مدّ شوقي المشرّع الكوى

لأن أضمّكم

في جانحي يا أحبتي

برغم أنّكم

قوّستمو أخي وصاحبي

ولم تزل في ظهري المحنّي صلية .

وفوق حاجبي

آثار جرح

البداية

 

الكوكب

مشرع صدرك للريح ,

وطلقات البنادق

والتي كنت تحبّ

ذات يوم حينما رفرف في جنبيّك قلب

يترامى جيدها الموجوع ,

في كلّ الشوارع

تسأل العابر ضوءا وجوابا

عن فتى أسمر , يبدو

فارع الطول , نحيف الجسم غائب

ويشيل الهمّ في جنبيه ,

سهما

كوكبا

يطلع من بوّابة المغرب شاحب

لم تزل تفترش الأرض اغترابا

وهي لا تعرف بعد

أنّه صار محارب

ربما يبحث في الوديان ,

عن كسرة خبز

ربما يعبر نهر الموت ظمآنا وجائع

ربما يرقب إطلالة نجم

وهو في ليل الخنادق

مشرع صدرك للريح ,

وطلقات البنادق ..

البداية

 

قمر الجوع

أمطري في القلب ,

زخّات عذابات وجوع

أمطري ..

أرضي ظمأى ,

وأنا تجتاحني حمّى الرجوع

أمطري أيتها الذكرى ,

ورشّي العين حبّات دموع

فالمغنّي كمّموا فاه ,

وسدّوا ..

بحجار القهر بابه

خطفوا منه الربابة ..

***

مرّة أخرى يعود الآن ,

يستجديك رشفة ..

آه من بخل الزمان

إذ يغلّ الفقر أيامك ,

لا تمنح رجفة

رجفة الصعلوك

إذ يحظى بخبز وأمان ..

أعطني من صمتك الطافح ,

حزنا ومرارة

أعطني من شجر الأيام ,

من لحم التواريخ القديمة

أعطني منها العصارة

علّه يطلع من حقل الرماد

قمر الجوع رغيفا وثمارا

علّني أبعث من هذي التعاسات ,

نبيّا ..

بين عينيه البشارة ..

البداية

 

السقوط في المنفى

صار للريح طعم الدم

والأغاني بكاء

لا تجيئي لمأتمي

وتقولي لي العزاء

***

وجهك الأمس كان لي

كان خبزي ومطرحي

والحكايات بيننا

تمّحى , آه تمّحى

لحظة الحب والعناق

كبر الآن جرحنا

راعفا خارج الوطن

كيف لا تخجل المحن

تحت شبّاكنا بكاء

يتلوّى على ,

جمرة الهجر والفراق

فاغفري لي وقوفي

على شرفة القنوط

وأسعفيني من السقوط ..

صار للريح طعم الدم

ليته خانني فمي

ليت دمعي انهمر

قبل أن قلت للتي

قلبها الطيب انكسر

هات مفتاح غرفتي

هات إنّي على سفر

ليت أن ..

البداية

 

عزف منفرد

الأغاني انطفأت هذا الصباح

والمدينة

غادة ترفض ودّي

وأنا أبحث في كلّ الوجوه

عن يد تسند ظهري

ها أنا أسقط وحدي

وسط هذا الشارع المملوء ..

بالأقدام ملتفّا بصمتي

ليس لي قدرة أن أصرخ ,

من يسمع صوتي ؟‍

هذه الصحراء رحب لا يحدّ

الحوانيت بوجهي مقفلة

وعيون السابلة

أسهم تعبر جسمي ..

لا تراني

والأغاني ,

الأغاني انطفأت هذا الصباح

فتحسست الجراح

والسكاكين التي ,

تغرس في القلب على ..

إيقاع أنغام حزينة

ليتني أستطيع أن أبعث ,

من هذا الرماد

نبضة الفرحة والميلاد ..

أهديها لطفلي

وجه طفلي ,

لم يزل يسأل عن موت المدينة ..

البداية

 

الدفوف

تقاسمتك الدفوف

عشية الحب ماتا

فما فاد الوقوف

ولا مللت التفاتا

***

قد عزّ طيفك حتى

ذابت جموع الأغاني

صلبت جبنا وصمتا

بكيت مما أعاني

***

كبرت عندي حضورا

على حدود المكان

وظلّ قلبي أسيرا

مسافرا في الزمان

البداية

 

الوداع

أقف الآن وحيدا

تحت شبّاك أماسيك ولا أحكي ,

عن السهد وعن جرح المواويل ,

وعن موتي الطويل

هذه المرّة لا أحمل قيثارا ,

ولا أتلو نشيدا

وجيوب السترة السوداء خلو من قصيدة

فاعذريني من نفاذ الصبر ؟

ها أنا آخذ شارات الرحيل

عابرا ليل المسافات , لآفاق بعيدة..

البداية

 

مكابدة الشوق والغصة

-1-

أشتاق أن أراك في شوارعي المغبّرة

أشتاق , أشتاق يا قبّرة

موّال حب

ينقذني من الجفاف في حياتي المسوّرة

بالشوك والأسلاك

أواه يا مدينتي المنوّرة

متى يحين موعدي , متى أراك ؟

متى تذيب غربتي يداك ؟‍

-2-

يصدف أن ألقاك ,

في دروبي المنتحبة

سحابة مغتربة

فنعبر الدائق العجاف ,

مثل طائرين ظامئين

لا نملك الإنسداد

الله يا عيني على الحنين والبعاد

الله .. يا فراقنا المجتاح ما استطعت

أن تزرع النسيان في قلوبنا المعذّبة

البداية

 

الموت والعناق

حينما تسقط في ساحاتنا حتى الحجارة

حينما يهدم بيت تلو بيت

يصبح الموت إشارة

وبدايات لصوت

***

عانق الموت بوجه الريح عانق

كلّ لون فوق وجه الأرض , في

نسغ البدن

أنت إن أصبحت عاشق

يسقط المحتلّ في الطين , ويبقى

وحده مجد الوطن

البداية

 

تعالي نبوس التراب

تعالي ,

لنمحو أسماءنا من جواز السفر

تعالي لنكتب أسمائنا من جديد

تعالي لنرسم خارطة للبلاد ,

ونغتال فينا انتظار البريد

تعالي ,

فبعد فوات الأوان

وموت القصيدة

سنشقى , ونرضخ قسرا ,

لتقويم هذا الزمان

تعالي نبوس التراب

تعالي نعانق كلّ الشجر

تعالي نسطّر تاريخنا ,

وسط هذا الحريق

ونصغي لصوت ينادي : تعالي

تعالي , تقول الرياح : إذا ما أتيت ,

سنفقد حتى الكفن

ويبرأ منا تراب الوطن ..

***

غدا ,

آه لو عيّروني

بماذا أجيب ؟

وأين أخبىء وجهي

وهم يسألون ؟

عن الحب والياسمين

وكيف انتهى كلّ هذا ؟

تعالي نقيم لنا منزلا ,

أو كمين

نواصل منه لظى المعركة

لقد خاننا الأصدقاء

علانية ,

فاحذري من ستار النهاية

وألمحهم يستبيحونك الآن ,

ويصلب وجهك في كلّ ساحة

وتمحى تضاريس جسمك ,

تبنى عليه الهياكل

وإسمك ينفى من الخارطة

تعالي

تعالي

تعالي نقاتل

البداية

 

إيقاع 1

وشوشني الريح , قال عنك : سافرت

وقال هاجرت

ضربت رأسي في الجدار

حضنت بندقية عتيقة

وكان صوت النار

يجيء ناضجا , محمّلا ,

بأطيب الثمار

يقول لي : حبيبتك

لمّا تمت ببد ..

ولم تهاجر ..

البداية

 

إيقاع 2

أراك على امتداد سواحل الغربة

معفّرة الجبين , تعيسة , تعبة

أراك هنا , هناك ..

تلملمين القش والأوراق

وتهيّئين طعامك العشبيّ للغياب

تمرّ عليك قافلة الظلام , حداؤها

الليليّ يبعث فيك رنّة كامن التذكار

ويعلو في فناء الدار

نداء بنيك جوعانين ما أكلوا

ووحدك أنت , وحدك ترقبين ..

إياب من رحلوا

البداية

 

عودة المغني

أبيع المدينة

أبيع المواعيد والأغنيات

أبيع دفاتر شعري ,

وكلّ حكايا الأماسي الحزينة

وآتي لأشرب من حدقتيك ,

شعاع الحياة

وأزهو بأني

أعيش بأرض بلادي

وأحضن رمل بلادي

وأنّي أسير هواك

وأنّي حظيت كعشب البراري

بخصب التراب ,

وسرّ حنان المطر

لأن المغنّي

تعذّب فوق الصليب

وطاف أقاصي الدروب

وظلّ يلوب

سنينا ليأتيك طفلا جديدا ..

تعّرى ,

وألقى ثياب السفر

البداية

 

الصورة والتذكار

-1-

وأذكر لم يكن أحد ,

عشيّة أن رحلت فعادني حزني

تلفّت قلبي الموجوع بالأشواق

وألقى نظرة مكسورة الأهداب ,

فوق رفوف مكتبتي ..

وكان فراس

جميلا يرسم البسمات خلف إطار

وكان فراق

يجلّل وجه أمّي بالأسى ,

فتهمّ أن تبكي ..

فأضحك كي تشاركني

وفي جنبات قلبي يطلع الصبّار

فيا تعبي :

أشيل حقائبي , أمشي ..

ولا ألقاكمو قربي

وأحمل ما تضيق به الجوانح ,

-2-

يا شوارع أينهم صحبي ؟1

ويا مقهى " رقيق الحال " كانوا ..

أمس في ركنك

ترى غابوا ؟‍

فهات إذن " طويل العنق " , أشربه ,

وآخذه معي تذكار

ونمشي والطريق أمامنا تمتدّ للصحراء

فتورق في القرار قصائد التحنان ,

أدرك أنّني في التيه ..

أنقل يا أحبّائي الخطى

وأكابد الإعياء

وأقرأ فوق صفحة هذه الكثبان

رسائلكم

تقول سطورها ويجاهر العنوان

بأنّ طريقنا تفضي إلى البحر

فعد يا أيّها الربّان ,

عد لعروسة الفقر ..

وأومن أن في كلماتكم ..

يا أيّها الأحباب منجاتي

من التجوال والغربة

وأومن أنّ نارا في العروق تعانق الآتي

وتبدع من أحاسيس العذاب خيوط رايتنا

-3-

وماذا بعد ؟

وماذا ينبيء العرّاف , ماذا تضمر الأيام ؟

يقول الكفّ أنّي ..

سوف أرحل باتجاه جزيرة الأحلام

وسوف أخوض نهرا من دم ,

ويصير لون قميصي الكاكيّ ..

أحمر مثل حطّة والدي ,

- الله يرحمه – أبيّا كان

فعاجله رصاص الإنجليز ,

- وكان عمري يومها سنتين

فهاهت ساعة أمي ,

وكان البين

عميق الحزن ,

فيا أحباب

بعيد ذلك الجرح الذي ,

يمتدّ من عمري

إلى قبري

فذاكرة الطفولة لا تموت ,

ولم تزل في دفتري صورة

لأمي وهي جاثية أمام أبي

وكان جبينه ينزف

وكانت ساقه تنزف

ولهوي يومها بعقاله ,

فلبسته وركضت في الحارة

فأشرق وجهه بالبشر ..

أذكر أنّه قد قال :

" يا ولدي "

وأحنى رأسه وغفا

ولم ~أعرف

لماذا كان يبتسم لي ..

لماذا كان يبتسم لي

البداية

 

بطاقة إلى فراس

يا لغتي , يا رعشتي المنسابة

في جانحيّ , يا تدفّق الكآبة

يا كلّ هذه المكابدات ,

والتأوهات ,

والرؤى الأسيانة

يا جوع هذا القلب , يا عذابه

يا قمرا على بوّابة

إذا أتتك هذه الكتابة

من يحمل الربابة

من يبعث الحياة في الأوصال

من ينشد الموّال ؟

ومن ..

ومن ..

ومن

تعبت من مرارة السؤال

هل تهطل السحابة ؟

ويهدل الحمام في الوطن ؟

البداية

 

أيتها الغربة وداعا

-1-

كان صديقي خالد

ممتلئا بالحب

كان رقيقا وعنيفا كالنسمة والإعصار

كان معي في هذا البلد يكابد ..

غربته ,

مرتقبا سيل النار

مسكونا بالفعل الحيّ الصامت

وكان يعانق في الصحراء

واحته المنفيّة خلف جدار باهت

ويحدّثني إذ ألقاه

عن فقدان المعنى والتيه

عن تلك الأيام الصفراء

عن موت الإنسان الضائع ,

خلف قناع التمويه

عن غضب سوف يجيء

يكنس فينا هذا الفقر المعتم ويضيء

غرفا في النفس رماديّة

كان يواجهني بالبسمة

محتجّا ..

إذ أسمعه بعض الشعر الأسيان

- يا قيسيّ

دعنا من هذي السوداويّة

- الحزن خميرتنا يا خالد

والحزن سلاح لا يغمد

نغسل أعماق الروح به ,

نسمو , نتجدّد

حين يرافقنا في اليقظة والنوم

يتنفّس معنا , ويشاركنا الخبز

لا نقدر أن نتجاهل هذي النعمة

يا خالد

-2-

كان جريئا في زمن الصمت

لا يخفض هام الكلمة

لا يرسلها زلفى لأمير أو حاكم

كان يجلّ الصدق

يحلم بمدائن تحتضن الإنسان

لا تورده الموت

لكنّ صديقي خالد

طولب أن يصمت

طولب أن يكسر قلمه

طولب أن يخنق ألمه

طولب أن يرضى بالأمر الواقع

-3-

أسألكم ..

من يرضى أن يسقط طوعا ؟

من يقدر أن يمنع أمّا ,

معدمة , جوعى

من أن تحمل سيفا ؟

وإذا لزم الأمر

أن تسرق ثمن حليب الطفل الجائع ؟

طوبى لأبي ذر

-4-

لم يسرق خالد , لم يحمل سيفا

لم يقتل يوما نملة

كان صديقا للناس , محبّا للفقراء

لكنّ الخوف على أمن الدولة

يلزمهم أن لا تبقى الكلمة مسموعة

أن لا يبقى خالد حرّا

-5-

فوجىء خالد ذات صباح

بدخول الشرطيّ عليه

يحمل بين يديه

كومة أصفاد

في اليوم التالي

نشرت بعض الصحف اليوميّة

أمر الإبعاد

-6-

" ملاحظة ..

في ذلك اليوم , بكت طفلتان صغيرتان , لأن

أباهما تأخر عن موعده , ولم يعد للبيت ,

كانت تنتظران أن يحمل لهم حبّا , وأمنا ,

وحلوى ..

ربما كانت جائعتين .."

-7-

لم أر خالد ذاك اليوم

لكّني كنت أرى جبهته ,

سارية في الريح , منارة

لم يوهنها الإبحار

كان الإصرار

مرسوما في عينيه علامة

كان يردّد أنّ الصبح ,

- وإن طال سيأتي

واحتضن وسامه

ومضى ..

يبحث عن أرض ,

تطعمه خبزا وكرامة ..

-8-

لا أذكر كم مرّ من الأعوام

حين تقابلنا أول مرّة

في باحة فندق

وسط دمشق

أذكر كان عناقا ,

عبر الصمت مليئا بالصدق

حيث أعاد إلى سمعي الكلمات الحرّة

كان كلانا ,

يبحث في رحلته عن شاطىء

عن قطعة أرض غالية ,

يسند جبهته المتعبة عليها ..

تطفىء ظمأ الأيام

عن شجر يمنحه الظلّ

عن بيت دافيء

يؤويه إذا جاء الليل

-9-

وفتحنا كلّ شبابيك الجرح

-10-

كان تراب الوطن العربي

ما زال طريّا أخضر

والجثث المقتولة في سيناء

وغزة والجزلان

ينهشها الطير ولم تدفن

وتحدّثنا في ذاك اليوم ,

عن الآمال البرّاقة

وعن السفر الثاني ,

وزنود الفتيان الغلاّبة

إذ تلج بجنح الليل

أبواب فلسطين بلا تصريح

مثل الريح

تحمل شارات الصبح ..

-11-

كنّا نعبر في الطرقات معا

أحزنني وجه دمشق

بردى كان بلا صوت

لاحظت لأول مرّة

أنّ ملابس خالد كانت كاكيّة

لكن فيما بعد عرفت

أنّ صديقي من زمن ,

يلتزم بتدريبات يوميّة

فسرحت ببصري في الصمت

وتحدّث خالد , فاجأني بسؤاله

- ما حال الغربة والأصحاب ؟

جالت في أعماقي الكلمات المرّة

لكنّي أطرقت

-12-

يا أيام الغربة أعطيني إسمي

أعطيني أوراقي ويدي

أعطيني قلمي

آن لنا أن نفترق الآن

آن لهذا القلب المحكوم عليه

أن يرتاد الأبعاد

ركضا خلف خلاص موهوم

آن له أن يستقبل ,

فعل المرتقب المحتوم

بعد سنّي التجوال

أزهر يا غربة في أرضي الليمون

وامتلأ " المارس " بسنابل معطاءة

وابتهج الفلاحون

أمّا الفقراء فقد مدّوا أيديهم ,

واحتضنوا قمر الثورة

يا غربة هاتي كفيّك

أودعك بها كلماتي المرّة

ورنين الزمن الجاحد

إني أرتحل الآن

فيّاضا بالفرح إلى خالد ..

البداية

 

الخيط

عيناها دوريّان طعينان

والأرض كما تبدو ضيّقة ,

يأخذها الرجفان

كانت تلمس قلبي

وأنا أرفو أيامي كجوارب بالية ,

وأحاول أوّل خيط يوصلني بالموّال ,

أغني هذا الريحان

كيف يسبّح في بستان يديها ,

ويسيل

إذ تهدل أو تسكن أوتارا وأناجيل !

كانت تلمس قلبي وتقوم

فتشيع الموسيقى صامتة من خجل ,

وينّور لوز ,

ويحوم

رفّ نورس في أفق ,

من قمح وغيوم

كانت تلمس قلبي وأغنّي

عيناها دوريّان طعينان

والأرض كما تبدو ضيّقة ,

لا تسع اثنين معا ..

لا تسع اثنين فهل

يأتي الطوفان !

البداية

 

لها ولي

التراب لها والحجارة لي

الأغاني لها والهوامش لي

النهار الشفيف لها ,

والزوايا البعيدة لي

والهديل الذي ينتهي عند شرفتها فرحا

والضحى

والأريكة والبيلسان

ورنين الكمان

وقطوف الكروم لها

كلّها

ولها المرجان

ثمّ لا شيء لي

غير هذي الحجارة تسقط من منزلي

البداية

 

الحصار

آه يا وجهي المحنّى

بتراب الوطن

لم يزل يعصرك البعد ..

على أرض المنافي

ويغطّيك بعشب الشجن ..

وأغانيك انتظار

ورحيل من مدار لمدار

بعدت عنك التي تهوى ,

وقد شطّ المزار

بعدت وجهك ودار

وحدك الآن وقد مرّ القطار

وحدك الآن ومن حولك ,

يلهون بزهر الطاولة

وحدك الآن وصمت البحر ,

ناء عن حصير العائلة

والتي ترقب لم تأت ,

وفيروز تغنّي

بوحها المقهور ,

عن جيل احتراف الحزن ,

والصمت وليل الانتظار

فمتى نخرج من هذا الحصار ؟‍

فمتى نخرج من هذا الحصار ؟

البداية

 

الوطن في الأسر

أ

التي رحلت في صمت على أرض المطار