اللغة العربية أهلاً وسهلاً بكم في موقعكم المفضل لغة القرآن
الرئيسية النحو الإملاء قاموس النحو محاضرات في التربية قاموس الأدب الشعر الصرف النقد
 

الشاعر محمد القيسي

 

أهي الوحشة , أم قوس قزح أم سلاسل سارا !

-1-

عقد قرآن على غزالة :

نهار هادىء يتدفق عذوبة

ومطر خفيف

فلماذا ازدحم بالأسئلة

هذه الفاكهة العسيرة !

يعزف البحر على ضلوع خضراء وسوداء

أناشيد منسيّة من زمن الإشتباك

وأغنية يانعة

لرجل وحيد

يعبر ساطعا كنجمة صبح

بلا عروس ولا ضوء

وعلى الأشياء ,

يوزّع عزلته ذات الثياب الرماديّة

ويزدحم بالأسئلة

مطر خفيف وأنا عازب والمساء

قابل للأغاني

ولكنّ جدتي

عقدت قراني على غزالة بريّة

وأمّي بنقائها الفطريّ

بنت بيت عرسي

أما شقيقاتي فقد نسجن ثوب الزفاف

وجمّلنه بالخطّ العربيّ

أيها المساء الكستنائيّ

أنا عازب , وغزالتي بعيدة

وأطفالي عديدون

وأريد بعد قليل :

أن أستحمّ في الصحراء

أن أسكن الرمل والندى

وأن أستبرد بالسعف العليل

هكذا آخذ راحتي

مستندا على تراث من الورد والصقيع

وأتكلم مع سارا

-2-

انطفاءات :

في معجم البلدان

يقرأ أسماء حبيبته الحسنى

يا حادي العيس أهجت الركبان

يا والدتي قرّي عينا

أمام جلال حزني

ما رأيت مدينة وبحرا

يتخاصران بمثل هذا الهياج

ويتحاوران بلغة نافذة كالقطيعة

أمام جلال حزني

ما رأيت مدينة وبحرا

يتخاصران أو يتراشقان كاليأس

فهل للمساء دخل في ذلك !

أم أنّني السفينة المهجورة

مطر خفيف

ولم استقل بعد من وظيفة الحلم

ولا تخلّيت عن هودجي

أو حدود البادية

فأي معنى لحمامة بلا هديل

أو قمر بلا ليل

يا هلالي البعيد

ثمّة انطفاءات لا حصر لها

وعتمة في منازلي الداخلية

ثمّة مدن قابلة للرحيل والغرق

وأخرى للفوضى

وثّمة قتلى وعصافير نائحة

وسجّانون وأزهار

وقصائد وحجارة

ثمّة منازل مشلوحة

وسلال أجاص غامض

وستائر رماديّة

وقرميد فاقع الحمرة

وثّمة ما هو أقسى من الذاكرة

فأنّا أغنّي على أطراف حدائق مجاورة

لمقابر تنمو

على حساب سريري الخاص

سريري العشب

وسريري الأزهار

فأيّ الهواتف يا هلالي

تقودني الآن

وتقيّدني إلى سلاسل سارا

ومكالمة سارا

أهي الوحشة ,

أم قوس قزح لا أراه !

-3-

فضاء لقبرّة ساحلية :

شبابيك ضوء وزينة

وعقد من الأرجوان

لمن يا بنات المدينة

لمن يعقد المهرجان ؟

***

لمن يا بنات المدارس

تحلّق هذي النوارس

وتطلع في القلب عوسج

لمن يا قتيل البنفسج ؟

***

نبيّ يعتمر الأشجار

ويؤاخي الحجارة ,

يلقي بظلال القلب على الأشياء

يحلم بسواعد وأطفال يعرفون الفرح

بالحنطة , بالقرنفل الذابل , بالنرجس الجبليّ ,

يحلم بفضاء شاسع ,

بصدر قبّرة ساحليّة

من أجل يوم تمشّط الرض فيه بقبلها ..

أجساد أناس ذهبوا

وليحصى كم ضلعا فقد

وكم ضلعا أبقى

نبيّ يعتمر الأشجار

ويؤاخي الحجارة ,

يعلن أمام احتشاد العناصر

نشيده الصامت

ونبأ انتسابه المبكر إلى عائلة النهر

***

هي الريح قالت , وقال النهر جملته , النورس

الشارع , الواجهات , الخطى , السيدات الأنيقات

قلن , بنات المدارس , والشيخ والبحر , والحرب

والسلم والموت حبّا , وزارا ..

ولكنّه قال سارا

***

أسمّي المدينة سارا

لأحضن كلّ الشوارع

وأهتف يا دار سارا

فتسلّمني للزوابع

-4-

تهليلة كنعانية :

وماذا بعد !؟

يا عزّ عيني وقلبي

يا زناك أمك الفضيّ المتأرجح تحت مظلّة عنقها

كطتئر خرافيّ

منذ أوّل امرأة كنعانية

يا زناك أمك , ويا قرطيها اللامعين

كاستدارة قمر الأسلاك

يا ملاءتي البيضاء

وجملتي المفيدة في المحيط الضار

يا رسولي إلى المحبّة ,

ويقيني بدمي

يا صغيرتي وامتدادي لمجدّ المسّرات

حيث الأشياء إلى أصولها تعود

ويتألق اسمك في الأرض

أبجدية وشمس

يا صغيرتي وعزّ عيني

أرح بال أمك – غزالة السهوب الشاردة

ونخلة الله في بادية العرب

أرح بالها

أرح

أ.........

-5-

اعتذار إلى الياسمين :

نخب دالية الليل يا ياسمين النهار

للحدائق دوما مزايا

ولي أن أطوّف حتى أموت شهيد الندى والشرار

أمس يا سيّدي الياسمين

قلت أمشي إلى البحر أستوضح الأمر عنها

فعاجلني بالسهام , وطوّقني بالحنين

فكأني أراها

طيور الظهيرة تنفضّ أجنحة من نحاس

وكأني أراها

لماذا إذن يعتريني اليباس !

باهظ حبّها

لاذع نخبها

يا دمي لا تهن

يا شباكي المحار المحار

نخب دالية الليل يا ياسمين النهار

نخب دالية الليل والانتظار

آه من بعد سارا ومن طائر الرعد ,

من صافنات الخشب

آه من أين نأتي لأطفالنا باللعب !

إنّها لا تجيء , ولكن تضيء ..

جوانح أيامنا باللهب

آه سارا .

رعاك الذي لا ينام شجى وطوافا

ولا يعرفّن التعب

نخبك الآن , نخب مدينتنا ,

نخب دالية الليل , حتى أراك ,

وحتى يطيح العنب ..

البداية

 

وكأني نحلة لا عاصفة

- أو تحلم ؟

أحلم أن أكتب شيئا ما،

عن عينين مهاجرتين إليّ أصقاع الأرض

أسافر في عمقهما

نحو بساتين بلاد أثقلها الأبناء بأوزار الغربة ،

أقرأ أسماء نباتات

وأرى في البحر عذاب البحر ،

ولكنَّي أحمل مرساة وأقول :

أراك غدا ذات نهار جبليًّ يتوزّع بالعدل ،

ولا تعلن أطيار البحر المتغرَّب عن موعد ،

أسفاري

فأروح إلى زاوية معتمة يسترها الضوء ،

يزيَّنها الأسف الغلاَّب ،

وأسأل عن كلمات للبدء ،

ولا أبدأ إلا بيدين ملوَّحتين ،

على شرفات البين ،

كطيرين وحيدين ،

تفرُّ الكلمات تفرُّ تفرُّ إلى الداخل ،

أرسم نافذة للبحر .

أطالب بالألعاب المنفيَّة عن مدن الأطفال ،

أحاول أن أملك شيئا ما ،

قبَّعة ،

أو عصفورا ،

أو تذكرة ،

في أول طائرة نحو براري الموت ،

عرفت كثيرا ولذا أصمت ،

آن لقلبي أن يبدأ بالأهداب ،

ويحمل زوَّادة أمّي السريَّة ،

في هذا الدرب الوحشيَّ ويمشي ،

يمشي ، عشَّاق الأرصفة انتشروا ..

خاصرة الوقت تميل إلى جبل من وجع الشارع ،

هل أقرأ في هذا الوجه دما وطريقا .

أين أرى وجهي الأول ،

أين سأعقد ساريتي .

قدّامي الصحراء ،

وقدّامي زهر الصحراء ،

وقدّامي الهمُّ الصحراويُّ ،

فما هذا الشارع ..

تاريخ للوحشة والسفر التائه والكلمات المرّة

هذا الشارع يتفرّع من شجر الأجساد الجوَّالة ،

يرجف وينزُّ مواجد في مملكة الأسئلة الأولى

عندي الوجد ، وعندي الوعد ،

ولكنّي بعد قليل سأجرَّع نفسي الفاقة ،

أو أقتل ،

في أوج الفرح الناريَّ المتوهَّج في صحن الشارع ،

أو في زاوية في المقهى

لا تغرف شجر الكلمات ،

ولا حزن الصبَّار الطالع في عينيَّ،

وصوتي يصرخ في بريَّة عمّان المتلألأة بفنون

الأزياء،

وجوع الفقراء،

فيا عمَّان ،

أقلَّي من هذي الزخرفة،

صراخ البريَّة ينفذ عبر شريين العتمة ،

ويلفعني الغيم الأسود ،

صوتي والمأذنة المهدومة والطرقات وما لا أذكر ،

يسكب في آنية اللحظة هذا الحزن الفوَّار ،

أقول سلاما يا طرقات الأرض ،

سلاما يا أوراقي البيضاء السوداء ،

سلاما يا مطرا لم يسقط من سنوات في هذا المنفى

وسلاما ليديَّ المتعبتين ،

لأكواب الشاي الصفراء ،

سلاما لجلال السيدَّة الصامتة الآن أمامي

وسلاما للأشياء المجهولة ،

والأرواح المشتعلة في هذا النعش .

النعش فضاء حجري

وسنابك خيل ،

ومناجيق ،

وأبواب موصدة ،

تحبل هذه الساعات الرمليّة بحليب التين ،

وتطلع بأعاجيب مطرَّزة بالوهم الليليَّ ، فهل نتجول في هذا

القفر معا ؟

نتجوَّل في الساحات المطعونة ،

سهمين من الدهشة والرعب،

نوسَّوس في صدر الأرض ،

لتنهض أزهار وينابيع من الردم العربيَّ ،

سأهتف :

عيناك السابحتان ببحر الألوان طريق،

قبّرتان مهاجرتان بلا خارطة ،

أو مأوى

خدّاك شموس وعناقيد أجاص،

شعرك شلال من ضوء وسنابل،

عنقك قارورة شهد،

نهداك بلاد شاسعة ،

أحتاط من الرجفة إذ أحلم بالرمَّان الساطع ..

خصرك هذا الضامر بستان من صبوات طريد اللهفة ،

اقتربي حتى لا تشتعل يداي،

اقتربي حتى أتزوَّد بالنار ،

ويأخدني الرقص إلى الغابة ..

يا سنبلة تتأرجح في الريح ،

فيسندها الصدر المسكون بأزهار اللوتس والنرجس ،

ينزلها الضلع ،

يظلَّلها بالآلهة والقبلات ،

فهل نتجوَّل في هذا القفر معا،

نتواصل خارج دائرة الخوف العصريَّ

ونلجأ داليتين وراء السور ،

هنالك أعشاب ،

وحساسين ،

وموسيقى،

وهناك بكارة كلَّ الأشياء تفيق ،

فتستيقظ .. نبدأ في النقش .

ننقش فوق سرير الماء ، وأعراف الأفراس البريَّة

وجه غزالتنا القزحية ،

نقرأ في كرَّاس الأفق غموض اللون ،

فنركض ، نركض ، نركض،

مثل وعول أفزعها المطر السريُّ،

ونلقي جسدينا في ماء النهر ،

فيكشفنا القمر المتلصَّص عبر شقوق الغيم ،

سندعو القمر إلى بوَّابتنا كي يسهر معنا

يا قمر تعال تعال لتلعب معنا

يا قمر الأعشاب الصيفيّة لا تنفعك العزلة ،

فتعال إلينا ،

سنبلَّل خدّك بالقبل الريَّانة ،

نرشق وجهك بالأزهار ،

ونلعب حول البئر ،

ثلاثة أطفال يتعرَّون أمام جلال المعبود ،

ثلاثة أطفال

وثلاث فراشات حول البئر ،

توقّع موسيقى تكوين البدء المتألق ،

في أحداق تويجات الفجر المائيَّ ،

ولكن يا قمر الأعشاب الصيفيَّة ،

لا تخطف من عينيَّ حبيبي .

هذا الإنشاد المتهدَّج بالزفرة لحبيبي

هذا الزهر المتفتَّح والتجوال الفاتن مهر لحبيبي

سأجمَّع باقات الورد لأنثرها قدَّام حبيبي

سيمرُّ حبيبي الآن ..

سألت موظفة الهاتف : أين حبيبي

غاب إذن ؟

أيَّتها الشارات الضوئيَّة هل مرَّ حبيبي !

وامتدَّ سؤالي ...

عرَّش في كلَّ الطرفات ،

امتدَّ ، دخلت زحام الناس ،

واشتعلت الوقت وحيدا في دائرة الصمت الكبريتيَّ

سأجهر هذي اللحظة ،

بهموم القصب المتوحَّد ، في الوديان ،

سأجهر بأغاني النهر ، وهمهمة الجريان ،

سأجهر برياح البقعة ناشبة ،

في شبَّابات الرعيان ،

أدور هنا وهناك أوزَّع أرغفتي

من هذا المدَّثر بغبار الصحراء على طرف العاصمة

دعوني أتوقف بالباب لديه ،

فهذا السيَّد في الغرف التنكيّة أعرفه ،

هذا السيَّد في الغرف الإسمنتيَّة أعرفه ،

أعرف هذا الجوع ، الطين ،

الأطفال المسلولين ،

فهذا المدّثر أعطاني الشارة

قبل سنين،

وأودّعني سرَّ الدعوة للماء ،

سأجهر بحديث الماء ،

سأجهر بمزاميري الخاصة حتى تسَّاقط أوراق الورد ،

فهذا عزف حرَّاق ،

يرتعش عمودي الفقريُّ له ..

تشتعل عصافير الدوح وتنقر تفاحة قلبي

أيتها الفارعة كصفصاف النهر ،

الوضاءة بعذاب الفجر ،

حضورك يسطع في أنحاء المقهى العربيَّ اليابس ،

ليس الأفق رماديا ،

الأفق دم وأوز يتقافز

وغبار من قاموس القلب ،

الأفق كتاب ، رؤيا

ليس الأفق رماديّا

ليس الأفق رماديا

ها هي عمَّان البدويّة ، عمّان المتحضَّرة ،

وعمَّان السلوان ،

سيقتلني الكتمان ،

سيقتلني هذا اللغز الواضح ،

فتعالي من صحراء الزرقاء إليّ،

تعالي من أية ناحية في الوحدات ،

سأعزف بعض الوقت ، تعالي واستمعي لي .

من أول غابة ليمون في الكرمل ، حتى أخر منديل .

هذا منديلك ، أتيمَّم بالمنديل ،

ويحضرني وجهك ،

في زحمة هذا المقهى العابق بحرير ملابسك الوضَّاحة ،

هذا المقهى العربيَّ توزَّع لحمي فيه ،

فقاسمني الرواد تهاليل الجوع اليوميَّ،

لهذي الريح الجوَّالة غنَّيت :

لنا يوم بالفرح الريفيَّ يجيء

ولي وجهك هذا الشجريُّ يضيء ..

على قارعة الشارع ينبت زعترنا البلديُّ ،

سأفرش سجَّادة أمي تحت شبابيك خريفك ،

أتسلَّح بجراد وزروع

أهتف :

هذا ليل لا يلبث أن يذهب ،

هذا ليل لا يلبث أن يذهب ،

فليتألق اسمك تحت رماد القتلى المنسيين على

مدَّ الأعراس ،

سأرسم تحت الأقواس ،

هلالين وحيدين ،

هلالا لدموعك ، وهلالا لرجوعك ،

وأناديك ،

فآن هززت المنديل ،

رأيت سرورا وحشيّا في عينيك ،

حضنت أصابعك المشتعلات لهيبا بين ضلوع الآه

وزيتا لقناديلي

برعمت الأرض ونوَّر لوز المنفى فاستمعي لي

من أول غابة ليمون في الكرمل حتى آخر منديل

-أي الألوان تحبُّ ...؟

* الحنطيّ..

-وأيُّ

*جراح الشفق الحمراء ،

جلال الزرقة في أشجار قميص بحريًّ،

-اتفكر ...؟

*أحلم ..

-بالرقص؟

*بأسافر النورس والرقص ..

-و...

*أحلم باللبلاب على درج في الذاكرة يموج ،

سأختصر الوقت على قدح ،

وأحاور في الخمر الشفَّاف ،

تضاريس الزعتر والصفصاف ،

أقول :

مغنيك مريض بالشفقيات إلى حدَّ الروعة ،

والآنية تضيق ،

وها هو ذا

يبحث في عمان عن الأيام .

يبحث عن سيدة كان يسمَّيها أنثى النهر ،

فيا سيَّدة النهر وأنثاه ،

رأيتك في طابور الأيتام

وقرأت على تطريز ثيابك ،

تنويعا للريح الغربية أبلغ من أيَّ كلام

وقرأت على الأكمام

أشكالا تتحفّز للوثب ،

فقلت وجدتك يا أمي

ووجدت مغنيك المتوغل في الرمل ..

توضأ بالحزن العربيّ وقام .

وتزوَّد بالماء،

بأطيار وحوريان البحر،

بغزلان الوعر،

بحنّون الساحل وقرنفله البريَّ،

وجاء

فانتظريه يشقُّ البحر إليك صباحا

وانتظريه مساء.

البداية

 

دعوة جادّة إلى الرقص

-1-

هذا هو أنت ،

فضاء يبدأ من ذاكرة يحتلُّ مساكنها الجند،

وفنجان القهوة ليل منسرح وحدود ،

تأخذ في الضيق من الأفق إلى العنق ،

فيا من تقرأ كرّاس المدَّثر ، ما تنذر،

فالساعة تقترب من الرابعة مساء،

وجوادك لا يصهل ،

تدخل امرأة كالرمح،

ورجل كجريد النخل الظامىء،

يحتلان الزاوية أمامك ،

ترسم فوق بياض الصحن شموسا دانية ،

وصحيفتك الأسبوعية ملقاة في تعب فوق الطاولة،

الرابعة مساء ...

شجر يتسلَّل نحو الداخل ، لم تأت ..

بريد الأيام تأخر ،

أسراب نوارس بيضاء تحوَّم في أفق دام ،

لم تأت .. عرائش ليلكة،

وقميص أخضر مفتوح الصدر ،

وشال حرير، لم تأت ..

الرابعة مساء،

ووضوح بحريًّ، يشرق عبر تضاريس الوجه،

بسيط كرغيف الخبر،

أليف كالموّال،

خططت على ورق أصفر همّا مرتعشا ..

كظلال مصابيح الشارع في ليلة ريح ،

هما كالحجر الهامس يقفز بين يديَّ رشيقا

وطفوليا،

لم تأت إلى موعدها الأول ،

في هذا اليوم الأول ،

من معزوفة ما يأتي ،

سأرنّم للحجر المعزول ترانيم البعل الغائب ،

كي أطرد وحشة هذا النهر ،

وأنهر خوفي،

وأنادي لطيورالحقل لتعزف لي

باسم سنابل صيف وهَّاج ،

كيف أحيط نسيمك بسياج،

كيف أجفّف ثوبي في وضح الشمس ،

وأخرج في عريَّ الصحراء العربيَّة ،

فإذا مرَّت مركبة الغيد،

فكيف أردُّ نوافذ صدري

كيف أحدُّ المدَّ،

وهذا الجيشان الممتدَّ..

من الطعنة حتى اللعنة ..كيف؟!

وإمّا درجت في شارع بسمان مواكبها المزدانة،

بالليلك والريحان..

سأرفع كوفية وعقال أبي في أدب مجروح،

وأشبّب في حاشية الوديان،

على مدَّ تلال الرعشة والآه:

أحلّفكن نساء مدينتنا أن تتمهلن ،

أحلّفكن بكل عزيز أن تتمهلن ،

أحلّفكن بأيام اللهفة والرجفة أن تتمهلن ،

أحلّفكن جميعا ..

بمرايا وحدتكن الموحشة بلا ضوء أن تتمهلن،

ستفتح بوّابة أضلاعي الآن،

بحربة عمَّان ،

ويخرج صوتي متَّشحا بأغاني التوت البريَّ ،

يموَّج بين فروع الأشجار الغافية ،

يراودها عن عصفور الدهشة،

أعني امرأة كالومضة،

تلتفُّ بسروال عشبيّي ،

تعبر فيفيض الشارع بالزعتر والحنطة،

تنظر فترقّ الفرس الحرادنة،

أو تهتاج الريح الغضبانة،

من منكن نساء مدينتنا تعرف هذا الظلَّ الأخضر،

تخبر امرأة النهر الليليَّة ،

امرأة الشجر المقصوف ،

وأنثى الرعد الملهوف ،

تناغمّ في خصريها وجعي وغنائي

منّ تعرفها منكن؟

فتلك عريشة صيفي،

مهرة أسفاري الدوريَّة ،

أعني بستاني الأول،

أعني من كانت تشرع نهديها في ملكوت الجمهوريَّة ،

تمنح قبلتها للريح،

وتأخذ زينتها في الأحياء الشعبيَّة ،

وخبّأت بسرَّتها ستَّة أقمار،

وقرنفلة عن عين العسس،

وهرَّبت حنيني في شكل زجاجة خمر،

وقصاصات،

وبعثت لها في السرَّ

قبيل رحيل النهر:

تعالي يا سيّدة الشهب الورديّة،

نستأجر بيتا في الأدوار السفلي،

ونغيب معا زمنا،

ننجب فيه لشيخوختنا القادمة صبيا،

يا سيدتي أين تقود الهجرة،

نفذت أوراق السنة الميلادية،

وأنا أبحث عن تلك الظبية،

لكن سيّدتي الوردية ذهبت،

فأحلّفكن الآن ،

أحلّفكن صبايا هذا الوطن القاتل،

أن تنقلن إلى سيدتي ولعي

أن تبدأن الرقص معي .

-2-

تسَّاقط بين يديك ثمار البلوط،

ولا تتسع البريّة لصراخي

أعرف سيدتي :

هذا الاستاد المشتعل،

الفتيات المزدهيات بزركشة الأيام،

ونضرة هذا التفاح المتألق فوق تلال النرجس ،

أعبر لمساءات شوارعك الموَّاجة بالألوان..

لأعمدة الضوء الوهّاجة عبر مرايا السيقان،

الموَّارة بالغبطة،

والتشكيل الرومانتيكيَّ الفاتن،

أهبط متشحا بالأسرار العشبيّة،

وغموض التكوين النابع من شال المغرب،

في هذي العفويّة،

في موسيقى الأشياء،

ورقة هذا المطر الناعم،

أهبط مثل نبيٍّ ، أو صعلوك ,

وأعدُّ ضلوعي

خشية أن أفقد في هذي الزحمة،

وهج الكلمة،

خشية أن أفقد سارا

فلمن هذا الحفل يبث أغانيه،

لمن هذا التصريح الثوريُّ

لمن هذا البدويُّ

يروز يدي ؟

ولمن تشرع أبواب القلعة؟

فدعيني أحمل نخبك بين يديَّ،

وأذرع هذا الأستاد المشتعل ،

دعيني أشرب نخب البلجيكيَّ الطائر ،

وأعود قليلا لعذاباتي

فأنا هذا البلجيكيُّ،

أنا كوكبة القتلى الجوَّالين ،

رماد الموقد ، واللحم المشويُّ،

وليلكك النابض بمواعيد ، وأقمار خضراء،

بأسفار اللؤلؤ ،

وأغاني الحطَّابات القرويّات ،

وما نقرته الأطيار من الثمر الناضج،

عبر فصول الأرض،

أشمُّ عطاياك الآتية، وأشرع شبّاكي،

أتنفس وأوسوس،

وأحدّث عنك فينشرح الفقر ،

تهلّل قسمات الجوع نشيدا ..

فتعالي نقتسم اللقمة والنقمة ،

وتعالي مزمارا،

تلك طفولتنا السانحة لنا

تبرق عبر مرايا الطين،

دعيني أحمل نخبك بين يديَّ،

وأنفض ثوبي من تعب الاسبوع ،

سأدعوك إلى مائدة واحدة،

وأبيح لمن يفهمني أن يفهمني،

هل نشرب شيئا من ماء اللوز،

تعالي نتناول بعض القهوة،

نرشف هذا الوقت معا

وندور على دراجتنا النارية،

ها نحن وصلنا الوحدات،

أبيح لمن يفهمني أن يفهمني،

ليس يشال الوطن على جمل حتى أرتاح،

فلي ذاكرة تلتهب بأسراب طفولتها

لي زمن مفطور القلب،

ولي صحب ، وصنوبرة،

وسنابل تحترق ،

ولي هودجها العابر في هذا النفق المعتم ،

وأغاني صبيتها اليتم ،

لي هذا البرقوق الساطع في ليل جدائلها

والبرق اللامع في بيض شمائلها

لي بعد سكاكين الأهل دم ينفر كالجدول ،

لي ساحات أخرى ،

ومناديل تلوّح ،

أيتها الشرفات الممتدَّة ما بين محيط يجرح ،

وخليج ينعم في الاعياء،

كثير هذا

ها نحن وصلنا الوحدات ،

فيا سيّد هذي الآلام ترجّل ،

يا جسدي لا ترتجف الآن ،

أمامك أكثر من جبل ، وأمامك أهلك،

خذ من هذا الهرم فواكهك الحلميَّة ،

خذ زادك ومعادك ،

زوّد أضلاعك بشميم عرار الوحدات ،

فما بعد الليلة إلا سفر يتأهب للموت أو القيد ،

وقل يا ساحات المجد ،

رعاك الفقراء ..

وظلَّل غزلانك قمر الأحراش ،

لماذا يا قمر الأحباب تطل عليَّ حزينا ..

من شبَّاك غيومك ،

تزفر في السرَّ ،

تخبىء أثَّات نجومك.

ولماذا تتستَّر سيّدتي الورديَّة ،

في هذا الاكليل الشوكيَّ،

لماذا لا تخرج في ذعر الوعل إلى الشارع ،

قبل غياب الزمن العربيَّ،

أخاف على سيدتي أن تذبل في النوم ،

أخاف على سيدتي أن تهرم في الهمّ،

ويا سيدتي أقرأ كلمات السرَّ،

على أطراف قميصك فأخاف ..

يراني الصفصاف،

يعاتب ويكاتب ريح الشرق،

وجدوله الغائب غائب،

كيف أميل على هذا العمر،

أجيبي يا سيدة الوحدات،

فهل أعقد صلحا منفردا بين جدائل أمي البيضاء،

وبين المنفى الأبديّ!

هل أتنازل عن زمني العربيّ

عن صدرأبي المشقوق بحربين ،

وعن وجه حبيبي الحنطيّ

عن خصر الأيام الموصول بعمري الدمويّ؟

هذا فخ ينصب يا سيدة الوحدات،

لعصفوري الدوريُّ

أيتها الشرفات الممتدَّة ما بين محيط يجرح،

وخليد ينعم في الاعياء،

كثير هذا ،

وكثير يا زمني العربي

ها نحن وصلنا الوحدات،

سأتلو مزمور الأيام الملتهبة،

في هذا التجويف الصدريّ،

سأتلو من سورة هذا الطائر ما يتيسَّر لي،

من قرآن الهمَّ السريَّ،

وأعلن :

لا يملك تاريخي أطلالا لأنوح عليها ،

يملك هذا الألق المتفتّح كالنوّار ،

على شرفات منازل سارا،

فأنا موفدها العائد ،

ورسول مواجعها،

ها أنذا أتجول:

فرح في القلب،

وسكين في الشارع ، ومسدَّس ،

حلمَّ يجرأ في الإعلان عن الوقت ، ولا ييأس،

عنق يتطاول فوق ذراع الموت ، ولا يأنس،

إلا لوعول البحر ، وأسماك المتوسّط ،

في حلقات النفيّ.

فدعونا نلتحف بعشب الأرض قليلا،

في هذا الطقس القطبيّ

ودعونا نبحث في الصحراء إذن ،

عن وطن عربيّ

هذا الوطن الممتدُّ من الدمعة حتى الصفعة،

يتثاءب تحت عيون الدركيّ

فتعالي يا سيدة الوحدات،

تعالي ننسلُّ من الباب الخلفيّ

وندور على دراجتنا النارية،

إيذانا بالزمن العربيّ.

البداية

 

موت الليلك

فاتحة العام

أشعل مع فنجان القهوة سيجارتي الأولى

وأقلَّب إنجيل الأيام

فأرى :

حبَّة تفاح وزجاجة خمر

وكتاب

علية تبغ في الجيب ، سماء تدلف،

وشوارع تغتسل،

عراء تغتسل،

عراء يكتمل،

قميصا قطنيا أزرق ،

وطريقا مفتوح

هذا أول عام دونك ،

أول عام دونك،

أول عام وحدي

كيف ألخّص هذا العام وأين أروح؟

حدُّ للأفق، وزاوية للغرفة

وأحاول رسمك ، لكنَّ اسمك،

لا يسمح لي وأنا أعزف ..

لا أعرف في أيَّ مساء أو شرفة

مات الليلك

البداية

 

كسرت ضلعين وأخذت قلبي

نافذة في البال،

على قارعة الوحشة والتّجوال،

حديقتها غافية،

وأنا تحت الأسوار

يسَّاقط مطر، فيمسُّ القلب،

كما لو أنَّ منازل تغرق في الأخضر ، وأحار

ستّا وثلاثين بنفسجة وهلالا،

أعطيت لهذي المهرة،

ثم انفلتت من صدري نحو البريَّة ،

كسرت من أضلاعي ضلعين ،

وأخذت قلبي

أيتَّها المهرة والكوكب

من فينا يتعذَّب ؟

أستيقظ : نافذة في البال ،

وأستيقظ : قمر في الموَّال ،

نهار آخر يبدأ ،

إفطار متواضع

ثم يجيء الشارع .

البداية

 

في الناس المسرَّة وعليك الصمت

في الناس المسرَّة وعليك الصمت

لا للأسرة أنت ولا للبيت

لا وقتك هذا الوقت

تنقل قدميك فلا يصلان الأرض

تشرد بين الناس غمامة

تتشكَّل سارية وحمامة

لا تملك سفرا

من قيَّد خطوك يا عبد اللّه ومن

أرساك على هاوية النهر الساكن،

أنت أم الصوت؟

فتجوَّل

نرجسة تحترق بلا شفتين

وتجوَّل

أغنية يذبلها البين

وتجوَّل

وعليك الصمت

لكن لا تتحوَّل

لا للأسرة أنت ولا للبيت

لا وقتك هذا الوقت

تنقل قدميك فلا يصلان الأرض

تشرد بين الناس غمامة

تتشكَّل سارية وحمامة

لا تملك سفرا

من قيَّد خطوك يا عبد اللّه ومن

أرساك على هاوية النهر الساكن،

أنت أم الصوت؟

فتجوَّل

نرجسة تحترق بلا شفتين

وتجوَّل

أغنية يذبلها البين

وتجوَّل

وعليك الصمت

لكن لا تتحوَّل

البداية

 

صور وما تحلمون

قصيدة في أربع حركات

دمي نافر وحده

جارحا ودمويا ينبغي أن يظلّ صوتي

صارخا في نثار جسدي تجّمع , تجّمع

وفي الأشجار تفرّعي , تفرّعي

لا حدود تفصل بين الجسد الموزّع ,

في القطارات الدمويّة

في الجنون العصريّ

وفي المدى الملتهب بشظايا الأعضاء والتذكّرات

فالدم في كلّ شيء

الدمّ في الطعام , في الكلام

و الدمّ في الصحيفة ,

الدمّ موج الهواء الذي لا نرى

و الدمّ الذي نرى

في العيون والتوهّجات , ليس الحرب

هذا دم غريب نابع من صحاري البلاد

ليس هذا دم عبدالله

هذا دمّ من سلالة المسلسل القديم ..

من تعرّجات البدء والولادة

من خطا القبيلة , من قطعان الإبل السارحة

ومن هذه البريّة

التي تتناسل في فراش العراء

دم صاخب في العروق

دم لاهب في طبقات الرأس

وهذا جسد في أمّة تلوب , أنا أمّة تلوب

وهذا هو الأسى المضيء , فاحترقي بي

واسكبي من دمي البقية

للزهر وقت وللقصائد أيضا

ويا بلادي أسلّ نفسي منك ..

مثل شعرة من العجين

وأرفع سبابتي أمام لوحك الأسود

ليس كتلميذ مهذّب , ولكن كخارجي

جارح ودمويا ينبغي أن يظلّ صوتي

صارخا في نثار جسدي تجّمع , تجّمع

هذه نتف , وأسموها بلادي

هذا غبار وقالوا إنّه الغمام

لا وجه هذه العواصم وجهي

ولا نسب لي بجيوش الطوائف أو قرابة

هذا أنا وحدي

ولا قمر في الوحشة

لا عباءة أو ربابة ولا صوت معي

دمي نافر وحده , دمي نافر وحده

وحده ذاهب في جراح النبيّ الجنوبيّ ,

أعطني قطرة يا دمي .. ظمئت

أعطني نقطة لأواصل ,

سقفا لأعبره باتجاه السماء

وعمرا لأسفحه عند أوّل طلقة

دمي هائج كالذبيحة

للشوارع صمت , كما للإذاعات ,

والوقت مبتدأ الكلام ,

ومبتدأ للتفاسير ,

العرائض لا تأخذ الآن ملابسها الأوليّة ,

إلاّ عباراتها ورنين التأسف فيها

وإلاّ دمي السائل الآن نهرا غريب الضفاف ,

أوقفوا أيّها السادة هذا المسلسل ,

موتي يقول بأنّ ادعاءاتكم باطلة ,

فانظروا ..

بين هذي الحروف دمي هائج كالذبيحة ,

كلّ المحافل ما كان منها وما سيكون ,

سيوف لنحري , وشاهدة للقبور التي ترسمون ,

هنا فوق صدري الفسيح ,

هنا وردة الأغنيات الطليقة كالطلقات ,

فلا تحزني يا بلادي كثيرا ,

دمي قابل للتجدّد في كلّ آن ,

وقبّرتي للصدوح ,

ويومي لإشراقة تصدق الوعد ,

لا تحزني يا بلادي

لعمري أكثر من حالة يتناسل فيها ,

مرة يختفي , مرّة لا يغيب ,

ولي نعمة الحسّ بالموت في كلّ آن ,

بلادي لماذا تفرّ عصافير حزنك ,

يرعشها الدمع ,

لا يا بلادي , اغسليني بأمطارك اللاهبات ,

اغسلي طرقات البلاد ,

بكلّ الصراخ الذي يملأ القلب ,

ها دعوة للصراخ المجلّجل ,

لا تنزعي صفحة من كتاب محبيّك ,

واستغفري لغة الأمهات , هو النبع يعطي ,

وأطرافك اللاسعات تمور بكلّ المرارات من

صمتك المستبدّ ,

وينضج تفاحك العربيّ ,

ليخرج من كلّ قطر إليك ,

ليرجم قاتلك المتخّفي هنا في البيانات ,

طيّ ثيابك ,

من يدّعي نفسه الحارس ,هذا عدوك ,

هذي علاماته الصمت والجبن من قاتليك ,

و هذي علاماته الاكتفاء بشجب الأعادي

علاماته يا بلادي

مزيد من الشجب فلنتفق يا بلادي

غزاتك هم خاذلوك ,

غزاتك هم صالبوك ,

غزاتك هم حاصروك ومن رجموك , وقالوا

اذهبي

أين يا مهرة الله نذهب ,

كلّ الجهات مهيأة للمهالك ,

كلّ البنادق جاهزة للصدور ,

اذهبي , في الجنوب هنالك متسعّ للردى الكبريائيّ

اهربي من هوان الردى العربيّ ,

هنالك متسعّ يا بلادي

ليس صور التي تمسح النار جبهتها الآن ,

ليس ملاك الجنوب الوحيد الذي يجرع الكأس ,

لا , ليس أشجار صور ,

ولا العاديات التي ترفع الآن أسوار صور ,

وتزرع أعلام صور ,

بعيدا بعيدا ,

وتوغل توغل في الخلق ,

إنّ مفاتنها تظهر اليوم في أوج وهج القيامة ,

في موج هذي السيول ,

توّزع حلوى الزفاف الجنوبيّ ,

كلّ الشبابيك والشرفات بصور تنادي

وكلّ الممالك موصدة دونها والحدود تنادي

بلادي بلادي بلادي

بلادي

ليس صور التي في الحصار ,

تشقّ الثياب ولكّنها الأمة السائبة

ليس صور التي في الحصار ,

ولكّنها الأمة الغائبة

إنّ صور توزّع أنفاسها العربيّة ,

خبزا لأيتامنا يا بلادي

تتجوّل مطعونة في العواصم وهي تنادي

ألا من يشدّ زنّاري

ألا من يشدّ زنّاري

ولكّنها صور , صور التي في الحصار بلادي

وصور التي في اللهيب فؤادي

وصور وصور وصور

وصور وصور

وصور

البداية

 

وضوء الدم

كلّ الذين شاهدوا دمي , قالوا إنّه دمي

هائجا ونافوريّا كان , فقالوا دمي

وحين امتشق جسدي الجبليّ دمه السائح

وأدّى رقصة الفاتن بين كلّ شجرة وشجرة

كامنا في خلايا الهواء

أو ذاهبا في قذيفة

قالوا إنّه دمي

و قالوا إنّ هذا العرس لا يليق إلاّ به

لأنّ الصراخ في البرية ,

ما عاد نسبا

وهكذا اكتسب دمي نهار حيويته , وعتمة الظلال

وعبر عرسه الجنوبيّ

امتدّ في نسيج لياليه السبع

مجلّلا كلّ نافذة بالتهاليل والمواويل والأوشحة

ناشرا على المدى وفي الصدر

سور قرآنه الأبديّ , قرآنه الجديد

معطيا شارة التلاوة الجماعيّة

ثم نفر , فقالوا إنّه دمي

تعرّفوا عليه في ضياء الوقت

لم تكن الظهيرة , وكان أوان القيامة

ولم تكن النزهة , وكان السفر

ولدمي سفره , ونزهته , ووقته

ولي هذا الوضوء

وضوء الدمّ ..

البداية

 

النهر يتلو الكتب

كان في نعمان يعنّي ويجوس الأفق عشرون جوادا

وثلاثون نشيدا جامعيّا ,

وطريق عابس

يهتف :

يا نعمة نعمان أعدّة الآن أثلامك

عشرين جوادا , وثلاثين نشيدا جامعيّا ودواة

وليكن صدرك ممدودا

ودودا

- أمض مشّط شعري

مواعيدك حانت ..

هكذا نعمة – مالت جانبا والرمح في خاصرة الوادي

أجابت

فانثنى نعمان كالظبيّ هتافا

ومضت عيناه ,

وامتدّ , استطال الظلّ

قال الوصل في الفصل

ولم يهدأ

ولم يبدأ صدى

قال الفراق الآن في أوج العناق

المركب الرجراج , والبحر الأجاج ..

اليوم عشرون جوادا

وثلاثون نشيدا جامعيّا وصلاة

***

كان من يقرع في الليل الجرس

- عبرت روحي المروج

فإذا الريح حرس

فإلى أين , إلى أين يلوج ؟

- طوّقتني النار من كلّ البروج ..

***

بدأ الرحلة في حقل الأجاص

كتبت يسراه فوق اللوح بالطبشور ..

آيات بديات الخلاص

***

قفزت أمي إلى يقظتها ,

هزّت جذوع الطلبة

فمضى النهر إلى الشارع يتلو كتبه

وإذا بالشرطة المرتعبه

***

نقرت عصفورة خضراء عنقود العنب

فالتهب ..

***

ركضت مهرة حلمي في ضلوع الجامعة

فإذا بالقارعة ..

***

آه من نعمة لا تأتي ,

ولا يأتي إليّ النهر في هذا النهار

هل تخيط الآن تنورتها حالمة

بالنهر والأقراط والعمر الرضيّ !

أعطني شعرك يا لوركا لهذا العرس فالحزن شجي

ولنمل نحو انعطاف الشارع الآخر حتى يعبر الحرّاس

هل نشرب كأسين من البيرة في صحة هذا السوسن

المطعون , هل نمضي إلى كلية الآداب في هذا

النشيد الانتحاريّ , ونهوي نجمتين ..

ما لهذا الدفتر الغامض لا يوضح , لا يشرح أفق

الحجل الخافق , فالليل صهيل أزرق الريح ,

يتيم الأبوين ,

آه من هذي الفرس

أيقظت صدر البراري

فإذا البيت محاط بالحرس ..

***

هل أنادي يومك الغارق في الهمّ ..

يدي بوصلة الدمّ ,

إلى وجهك ..

هذا الراجف

الراعف

والعاصف ,

قولي ..

ما لهذا القفر يحتلّ كروم اللوز ,

ما للغابة الآن زفاف ونصال ؟

هذه باقة ورد , وأكاليل اشتعال

سأسوّي الآن أوراقي وأغفو

في انتظار البرتقال

نازفا متّهما بالعشب والوجد ,

وفيّاضا بنيرانك حتى الصمت والموت أرود المهرجان

آه يا لوركا ..

لهذا القصب الناحل في الوديان أمشي

ولحزن السنديان

فأعرني من دجى غرناطة الساجي

ومن ليل أغانيك اليتيمات كمان

لأغنّي لمناديل مساء كستنائيّ على الباب ..

تناديني تعال

ناصعا من جهة الزيتون

يأتي الألم الأسود يا حبّي رداء

ينبغي أن أستعيد الآن نهرا يتلوّى في الحقول

وأقول :

ضدّ هذا القمر الخدّاع قلبي

ضدّ هذي الغابة السوداء , ضدّ النصل ,

ضدّ الحبل , ضدّ الليل ,

يطوي حسرات الفقراء

ضدّ أن تعتقل الأزهار والغزلان ,

أو تحرم ظلّ الصحراء

ضدّ أن يبكي طفل , أو أبّ كهل ,

وأن يقضي على نعمة بالوحدة في هذا العراء

ضدّ خوف الشعراء ..

***

هكذا قدّم نعمان الفتى الريفيّ أوراق اعتماد الليلك الدامي

وأدلى باعتراف القلب منحازا إلى نعمة , لم يلجأ إلى رمز ولم

يهرب إلى أيّ ضفاف

وأضاف :

يا بروقي المقبلة

جسدي في سنبلة

وثماري للقطاف

فأعدّي من جديد

لزفاف وزفاف وزفاف ...

البداية

 

أغنية الكوكب البرتقاليّ

في الصباح

يرسم الكوكب البرتقاليّ تفاحة ,

ثم يقسمها فلقتين

لرلى واحدة

ولأيامه الصاعدة

وردة يشرب القلب منها بساتينه ,

وتمدّ له سلّما وعتاب

***

يخرج الكوكب البرتقاليّ من صورة في كتاب

فإذا شارع ,

وإذا قدمان

ويرى الكوكب الطرقات , الأزقة ,

ظلّ النهار الشتائيّ , في يومه الإرتجاليّ ..

يلمس شيئا ,

فيطلع جسر ويمتدّ , يلمح ناسا ,

يرى وجه سيدة

يمشيان معا

يقطفان أغانيهما تحت سقف الظهيرة ,

أو يسبحان

في فضاء بعيد

ويرى السيدة

غيمة مجهدة

يقرآن قليلا من التبغ والشاي أو يصكتان

يشعلان القصائد حينا ولا يبتسمان

فلسيّدة التبغ والشاي أوجاعها ,

وطقوس أحاديثها الصامتة

وله دهشة المهرجان

***

في المساء

يرسم الكوكب البرتقاليّ قبّرة ,

ثم يطلقها ..

ويعود إلى صورة في كتاب ..

البداية

 

حلم

شارع يتفرّع من شارع ,

ويعود الطريق

حالة مبهمة

والأواني تضيق

لا الأغاني أغاني ,

لا البريق بريق

***

شارع يتفرّع من شارع ,

والزحام

نجمة مظلمة

في هشيم الكلام

وأرى جثّتي وأرى

وأنا أبدأ القهقرى

زهرة في الحريق

وأفيق ...

البداية

 

محاولة لرسمها

في المقهى

كان يخربش أو يرسم وجها

قال لها أمس : أراك ؟

وقالت للأيام شواغلها

- لو لم يكن الهاتف ما نفعل ؟

* لا حيلة لي

- أو نصمت ؟

* بعد قليل يصل الزوّار ,

- إذن ..

* لا حيلة لي

***

في المقهى ظلّ وحيدا

كان المذياع يردّد أغنية عن شجر ,

وعصافير تغيب , وكان يفيض شجن

يجرع قهوته ,

ويحدّث عن شجر وعصافير ويرسمها

وجها وبنفسجة وسكن ..

البداية

 

أغنية شمالية

ولها

هذه الإطلالة الأولى من الطوق الحديديّ ,

لها هذا الغناء

ولها الوقت المضاء

ولها أن تمرح الآن , وأن أسكن برد الصحراء

لا أقول الزمن القاسي ..

ولا أشكو المجاعات ,

ولكّني أقول النرجس المطعون جاء ..

***

فأعدّي لمغنّيك الرماح

وأعدّي فرسا بيضاء لا تكبو

ووردا للجراح

وإذا دقّت على الباب يد ..

قولي لها :

مرّ هنا الشاعر , غنّى ثم راح ..

البداية

 

مواصلات

يأتيني صوتك في مطلع هذا العام

رفّة عصفور ,

أو هدهدة يد دافئة ,

تمسح حزن الأيام

من أيّ رياض يأتيني هذا الزهر الحالم

هذا الهمس الناعم ,

من أيّ سماوات يسّاقط هذا الكرز النابض

هذا الصدر الناهض

بسلال الرّمان !

مطر عيناك ومطر هذا الشعر الذهبيّ ,

وصبح فتّان

وشتاء يتموّج بين يديّ ,

عواصف تبعثها الشفتان

يأتيني صوتك في مطلع هذا العام

قبّرة صادحة عبر براري الصدر ترشّ الأنسام

فأطوّ بذراعي جذع النخلة ,

أشعل فيك أغاني الأوراق ,

فتطلع في الخصر بنفسجتان

من أيّ جهات الأرض أتيت إليّ ,

و من أيّ الأزمان ؟

هذا الشفق الورديّ المنسكب على الأجفان

حلم أم أنّ أصابع فنّان

رسمت هذا السحر المجنون ,

وأعطته الألوان ؟!

يأتيني صوتك عبر الهاتف في مطلع هذا العام

ويزفّ إليّ عروس الحبّ ,

يجردّني في ملكوت الوحشة ,

من خوف الصحراء ويرسمني

عند حدود

الغيم ,

علامة

استفهام ..

البداية

 

المنزل

منزل عند باب المدينة ينزف , ذلك قلبي

وهذي الشوارع أعضاء جسمي الذي لم يمت

وزّعوه على كلّ ناحية في البلاد

وزّعوه على كلّ منفى , وضاحية فاستعاد

دمه من أواني الرماد

***

شرفة أو حجر

عند باب المدينة يعزف محترقا

تلك أغنيتي والصجى

لم يكن دفتري ورقا

لم يكن منزلي وتر

فكتابي المدى

وكلامي المطر

والذي لم تقله الحمامة , والشرفة الساحليّة ,

قالته أمي وقال السفر :

تحت أيّ القباب

تنزوي , أو تقيم لنا خيمة ,

فالشوارع مقفلة دوننا , دونك البرتقال

زرقة البحر , مرثية الشفق الأرجوانيّ ,

خضرة هذا المساء النديّ , بكاء الشجر

***

منزل عند باب المدينة أعرف ,

كان يضمّ ويجمع سارا بأطفالها القادمين

لم يعد عند باب المدينة , جئت , إذن

كان في هذه الناحية

منزل .. ورجعت

مطر والرصيف رصيف

كيف أرسم قوسا وأعبر هذا الخريف

هذه وجهتي أم جديلتها

أم دمي في العباب

سابح , إنّ هذي البلاد

وضعتني علامة بين مخلبها والبطالة ,

ما للغزالة ,

هادئة , بينما هيأ الصائدون الرماح !

أم ترى أنّ عزفي البعيد

أسلمته البوادي إلى الظلّ والعوسج اليابس

وهل العلّة الآن في الثوب أم

أنها العلّة , الموت في اللابس ؟

أيها البحر والقارب

إنّك الغالب ..

البداية

 

المعلّقة الوداعيّة

لأيامي ,

لدفقة زعتر الجبل

لنعناع القرى ,

لمرافىء الأهل .

لسارا وهي تخلع معطفا ويدا

لكلّ صبية غازلتها يوما

لقهوتي التي بردت ولم أشرب

لنرجسة لها بستاننا أبدا

لكلّ دقيقة ذبلت

بلا فرح

وكلّ حمامة وصلت

ولم تصل

أهزّ أهزّ جذعي الآن منفرطا

أدور الكوكب الفضيّ منتشيا

على أنّي أعود فدورتي اكتملت

البداية

 

الشروع في قصيدة الضدّ تحت اسم أهجية إلى صاحبي

صاحبي لم يعد صاحبي

باعني في الجريدة يوم الأحد

باعني وابتعد

بيننا أنّنا وحّد الفقر بين مراكبنا

وحّد الباب والنافذة

وحّد اللون والكلمات

وحّد أصفادنا والخطى

ووهبنا من العشب ما أبهج الروح يوما ,

وكان لنا غرفة نصطفيها

ومقهى وأرصفة حانية

ما الذي أذبل الدالية !

ودعى صاحبي للقطاف المحرّم ,

حتى أتاه اليباس

باكرا ..؟

صاحبي باعني في المزاد

باعني واستزاد

من رآنا قرنفلة ,

من رآنا سراج

من رأى الحقل والقمح والقبّرة

مطفأ صاحبي دون ظل ,

أرى صدره مقبرة

سقطت قشرة الشجرة

وبدا عاريا فأسفت

وعرفت

أنه باع أقراط عمّته , وطفولته في البلد

وطريق الكروم ,

وأرغول نعمان راعي البلد

باع أحجار , أشجار , أسرار نبع البلد

وتراب البلد

وأغاني البلد

عندما باعني ,

في الجريدة ,

يوم الأحد

***

لم يكن أوّل العابرين إلى جثّة ,

لم يكن آخر الخاسرين ولا أوّلهم

فهنالك مثلا :

ولد ضالع في السقوط

كان في جبينه فاكهة

فتنازل عنها

وضيّع سرواله راضيا

وسلّمها حينما استقبلوه على دفعتين

سلّم الفاكهة

وغدا بين بين

ثم عاد ينظّر للفرح الواقعيّ

وهو ما زال حيّ

ويشيد بسيرة من عطسوا مرة ,

في أقاصي البلد

هكذا يلتقي صاحبي والولد

لم يكن أوّل العابرين إلى جثّة ,

لم يكن آخر الخاسرين ولا أوّلهم

كان يعرف خطوته جيدا

وهو يحصي علاماته الرابحة :

أولا : .............

ثانيا : .............

ثالثا : ............

وله وجه الوطنيّ

إنّه صاحبي

من ترى يلبس الآن هذا القميص ,

ويشعل سيجاره بيننا

أو يعبىء غليونه في أناة وخفّة يد

يقتل الوقت , يجمع ما يتناثر في ضجر

الأربعاء ,

وفوضى الأحد

أترى لا أحد ؟

لا أحد !؟

لا أحد

فلتدم هذه الرائحة

وليعدّد إذن صاحبي في هدوء ,

علاماته الرابحة

البداية

 

الشبابيك

كان يفكّر في صمت ويداه مصفّدتان :

الغرفة مغلقة ,

العتمة في الخارج ,

والأحباب بعيدون

والأضلاع شبابيك إلى غده ومرايا ,

كان يفكّر :

من يعزف هذا الوقت

من يرسم أفق الريح

من يشرب قدح الشاي معي

أو يقرأ وجعي

من يخرج في هذي العتمة ويراني !

البداية

 

عبدالله يسأل عن مكاتيب مريم

يا قصب الأرض تجمّع

وامددني بالقدرة لأغنّي

يا قصب الروح أعنّي

في السعي إلى ملكوت الحب لأخرج أكثر صدقا ,

وشفافية ,

وليصفو صوتي ,

فتكون له شرفات أبعد ضوءا

وحدائق يأوي المغلوب إليها

فيبلّ الريق ويأخذ زادا

ويواصل أسئلته

مريم يا قصب الروح

وكتابي المفتوح

يا أختي

أيتها الطالبة يدي ونشيدي

النائمة على أيّ رصيف أعبر ,

أو وجه أنظر ,

والراعية هنا لكروم الوحشة ,

يا ثمري

يا سفري الممنوع

هل كتب علينا الجوع !

آه مريم

كم أنّ وشاحك غامض

كم أنّ يديك تلوحان بعيدا

ومكاتيبك لا تصل ولا أصل إلى قرية

أو قربة ماء

أو جمل في هذي الصحراء

كم أنّ جدائلك القمحيّة ناضجة لعذابي

قابلة للمنفى

وأنا للشنق

هذي الدالية الممهورة بكتاب السنوات

مريم ,

هذي الأغنية الصاعدة إلى الله ,

الهابطة إلى أعمق واد ,

في أرض يبوس ,

الممتدّة حتى أول كنعانيّ من نسل فلسطين ,

إلى آخر امرأة ,

ضربتها الكوليرا في الوحدات ..

كم أنّ مناديلك لا تومىء إلاّ

لدم آت ,

إلاّ لحنين مقتول ,

ومواعيد بلا أرض ,

أو أعراس

هل نسرح وحدينا في الفلوات

هل يبدأ هذا الحقل قصيدته ,

من طرف القلب ,

ولا تنزف قامة عبدالله

إذ يتوزّعه الصدر ولا

يأكل من تفاحك شيئا !

أين إذن يلجأ يا مريم

أين هي البريّة

أين هو الأفق لأنقل قدمي

مريم أين هي الطلقة

أين يداي هنا

أينّك ؟!

البداية

 

وصول الزبّاء

أيتها الزبّاء

من أين أتيت إليّ

من أيّ جنوب يطلع وجهك بكلام الوحي

رمحا ..

وسراجا وهّاجا ,

ودماء

أيتها الزبّاء!!

في شارعنا العربيّ تجوّلت طويلا ,

كنت تفرّين إلى سفح

لا تصلك أضواء المدن المزدانة برماد الأشياء

وغبار الخوف العاديّ

كنت تفرّين إلى حضنك

حيث يرفرف علم الله ,

وتنهض في الأرض سلالتك الأولى

ويفيء إليك الكنعانيّ

وأناديك فلا صور هنا

وأناديك فلا صيدا

وأنادي في كلّ مخيم

من يعرف مريم

من يعرف يا سكّان الأرض هنا مريم

وأناديك فلا نسمع بيروت

وأناديك فلا أجد هنا بيروت

من كان يموت

من كان يموت

أيتّها الشجرة والشبّاك

من أين أتتك الأشواك

وأتيت إليّ !!

أيتها الزبّاء!!

البداية

 

سيناريو الطلق والطلقة

حين أتاها الطلق , وحين أتته الطلقة

كانت تبحث عن إسم ,

كان يقول الأخضر ,

أتريد صبيّا

ونسميّه الأخضر يا مريم

ضحكا ..

كان الطقس جميلا ,

فدعاها للنزهة ,

مشيا نحو الباب ,

أشار بإصبعه ,

هذا البيت الأخضر

فاقتربت بحنان منه

مالت سنبلة في الحقل

شبّب راع ,

رفرف عصفور بجناحيه وطار

صارا خلف الباب ,

وقبّلها في فرح , وابتدأ القصف ,

ثنى قامته نحو الداخل ,

أين يخبئها ,

ابتدأ القصف ,

يخبئّها ..

صرخت

والبيت تهدّم

صرخت للشارع

خرجت لترى وحدتها

وتلمّ عباءاتها

وتنادي الأخضر

البداية

 

كم يلزم من موت لنكون معا

رجل وامرأة ورصيف

رجل ورصيف

رجل ,

والدائرة بعيدة

أسراب حمام تعبر تحت قباب السنة وحيدة

القلب وحيد

والأغنية وحيدة

شجر الصفصاف يحدّثني عنك ويأخذني

من صدر قميصي ,

لأرى آخر ظلّ يبعد وراء الغابة ,

ويغيم

لأرى أو أحلم أنك في منعطف ما

في مقهى ما

أو بعد قليل يبزع قمر ,

ويضيء إليك طريقي

يأخذني هذا الصفصاف الكاذب ,

يأخذني من صدر قميصي ,

فأرى :

كم أنّ الدائرة بعيدة

كيف أفسّر هذا الوقت إذن

كيف أرى الأوراق , أرى وجهك ,

أو أتسّمع صوت رحيلك ,

أية قاطرة تعبر ,

أي دم لوّن كلماتي

وانتشر على ساحة قلبي !

هل ثمّة مدن أخرى ,

حتى أدخل بوابة كلّ مدينة

وأنادي أو أسأل عن طير الماء

عن طيف أبيض ,

عن موجة

في ثوب صنوبرة ,

أدعوها مريم

وبمن أستأنس من وحش البريّه

لآحدّثه ,

ويجالسني ؟!

لا لغة لي توصل هذا الصمت ,

مراسيمي اليوميّة تبدأ بالفقدان

تبدأ بالعتمة والمزمار

أنزف .. أو

أتلو آيات في القمح وحيدا

كم يلزم لصراخي هذا

حتى يصل مساحاتك يا مريم

كم يلزم من موت , لنكون معا

كم يلزم من عمر ,

حتى أتلّمس بيديّ الناحلتين ,

عناقيد نبيذك وأفيق

كم يلزم من ورق ,

حتى تكتمل شروقية روحي

وتليق بهذي الحمّى المنسكبة من جدول خصرك ,

وفضاء أصابعك الذاهل

يا مريم من فينا المقتول ,

ومن فينا القاتل ؟!

البداية

 

الجثة

إثنان وحيدان

وصباح يدخل في الأسئلة ,

صباح عادي

يتسكّع في الأشجار ,

صباح جاف

يفتقدان الوقت ,

ويفتقدان الصفصاف

وخيوط دخان

تصّاعد بينهما

وهما في المقعد يحتسيان

أيامهما ,

وتغيم الألوان

من يبكي الآن

إذ تشتبك الكفّان , ولا يشتعلان

في المنزل

والموسيقى

***

- ماذا في الدّاخل

* في الدّاخل نحن ,

ولكّنا نجلس فوق

المقعد في الساحة !

ووحيدين ,

يمرّ علينا الحارس ,

تحكين عن الوقت ,

وأحكي كيف يمرّ العمر ,

وكيف نقضّي الساعات معا

بينا أنت بعيدة

وأنا وحدي

- ماذا في الدّاخل ؟

* في الدّاخل سيدّتي لا شك ,

أثاث وفراغ

في الدّاخل بعض حرائق

ورماد صباح عاديّ

في الداخل قتلى ,

وصعاليك ,

نبيّون ,

نساء عربيّات

في الدّاخل أشياء الروح

في الدّاخل جثتّنا

فعلام سؤالك ..؟!

البداية

 

أيها السكرتير

أيها السكرتير

أيتها السكرتيرة

إسمحا لي إذن بالخروج

واسمحا أن أرى الأرض تحتي

اسمحا أن أسافر في الملكوت

واسمحا أن أموت

***

أيها الجنرال

ليس لي قبعّة

أو عصا ( المايسترو )

فأنا معرض يتجوّل لا سرّ لي ,

أيها الجنرال

واضح مثل زيتونة , أو سؤال

ومقيم على نار أمي ,

أغنّي الليالي الطوال

أيها الجنرال

***

أيّها الشرطيّ

كن أخي , صاحبي

كن معي لا عليّ

أيّها الشرطيّ

البداية

 

الجملة الطويلة

أبقى الشاعر في القنينة

صرخته وأنينه

أبقى في المطعم أشياء وأشياء

آنية ودما ,

وفراغا لا ينضب

أبقى رجلا في الكأس

طاولة ,

وكتابا ,

ويدا تشحب

يوما يعبر كالأيام

حرته الدائمة , رصيفا ممتدّا

وحديثا ما

عن رجل كان يغيم أصابع وكلام

رجل يركض فينا

لا يصل إلى فاكهة ووشاح

لا يصل إلى مترو

رجل صفصافة

يسّاقط في جوف الليل مواويل

رجل أمسك بالكلمات

أمسك بالريح ,

وأمسك بالجمرة ,

كان وحيدا كالفاقة والأغنية

وطريدا كالنيل

تتنّزه في الطرقات

يتنّزه فيه الأسف المرّ

يتنّزه فيه النهر

تتنّزه فيه القاهرة بلا تعب أو شكوى

تتنّزه في دمه مصر

رجل في المقهى

كان يخطّط جمهوريته ويقول

وجليد الصمت على شفتيه

" الصمت نعاس الضجة

التجوال ثماري

والخبز هو الملكوت "

رجل أبقى التفاحة والماء

أبقى الصحراء

أبقى في المسرح , أبقى في القنينة

صرخته وأنينه

ومشى ليموت

البداية

 

الحجر الكنعاني

1-

الألوان

جاء لها في الورقة أنّ الشاعر مسكون بالريحان ,

وسرّ الألوان ,

وجمّع في الأبيات , حنين اللوحات ,

وجمّع ما يقدر من صمت وضجيج يملؤه ,

جمّع من بيدره القمح ,

وجمّع برقوق الروح ,

وقال لها من أنت إذن

أيتها السيدة الذاهبة بعيدا في أفق الوحدة والصحراء

بساتيني مشرعة الأسوار ,

وحرّاسي يغفون ,

ولا قاطف إلاّ الريح ,

ولا ملكوت لنقشي , من أنت ؟

لماذا يبحر صوب ديارك هذا الشاعر أبدا ,

دون وصول

ولماذا يمنع من فاكهة الأرض نشيدا ودخول

***

ولماذا تكذبه الألوان , لماذا تكذبه الأوراق ,

وتنكره الأشعار , وتنكره السيدة الشفقيّة ,

دون سؤال أو هم تبعثه غربة هذا المخلوق ,

ولون يديه المائل للصفرة والموت ,

فلا تشرق يوما وتزور حرائقه الليلية ,

وسط خرائب الموجودات الأولى ,

وبنفسجة الحسرة ,

أيّ ندى يتشوّق , أيّ جدائل ,

ولماذا الأشعار تضيع ,

لماذا يذبل هذا الورق الساقط من أشجار القلب ,

وتنفيه الريح , بعيدا عن ساحة غرفتها ,

لا يعرف أين يقرّ ,

و لا يعرف أين يفرّ ,

ولا كيف يهيء شعر النسيان

ولماذا تتكسّر فيه الأغصان ؟

***

بردت قهوته الآن

ورماد سجائره صار إلى النسيان

والوقت مضى ..

سيغيب إذن في صمت الشارع ,

أو خلف الكثبان

قال لها سيدتي

ستظلّ عيونك أغنيتي

وتظلّ الألوان

أجمل ما تمنحه الروح ,

وأكمل ما تبدعه الشفتان

وتظلّين معي وعدا

وبقايا من حلم كان

لا أعرف إن كنّا سنرى اليوم الآتي ,

أو أنّا في بعض الأحيان

نتقابل ,

أو أني أشرب قهوتك الطيبة ,

وألمح في عينيك الأشجان

لا أعرف سيدتي

يا قبرّتي الضائعة بعيدا

في صمت شوارع عمّان ..

2- غزالة كنعان

جاءته الحرب وكان يوّدعها

جاءته الحرب وكان على شرفتها

جاءته الحرب وكان يخبيء في جنبيه

نرجستين ولا يحكي

جاءته الحرب وما كان لديه

إلا دمه ويداها

والقيد

جاءته الحرب

جاءته بيروت

جاء صراخ الله وكان يهيء قدّاسا

وتراتيل تليق بيوم عابر

كان يجانس بين أصابعها الناحلة ,

وبين الأغصان

بين جدائلها وسنابل مقصوفة

ويرى الطوفان

جاءته الحرب وكانيودّعها

كان على باب حديقتها

منطفئا وترصّعه الفضّة

كان خريفا من ورق وذبول

كان على باب حديقتها يهوي

كإناء فخاريّ

ليس له في الأرض سرير

ليس له مائدة أو مقهى

أو أسبوع من فرح أو قمح

أغلق باب حديقتها ومشى دون وداع

وتلّفت نحو ستائر بيضاء

ستائر واضحة كالدمع ,

وأفق تتشابك فيه الأشياء

كان المغرب مرتبكا , وخجولا ,

أضيق من حفرة

كان بلا إيقاع

أغلق دفترها , واستقبل يوما عاديا

واستقبل أخبارا أخرى

وجرائد أخرى

جاءت صبرا

جاءت أيام دراسته في الجامعة هناك ,

وجاء البحر

جاءت غرفته المتواضعة , فما الأمر !

جاء اللحم البشريّ رصاصّيا

جاء الأفق رماديّا

جاءته غزالة كنعان وماتت بين يديه

جاءته الكنعانيات وحيدات

إلاّ من أطفال الكنعانيين

جاءته البريّة

جاءته عصافير الأرض من الشيّاح

جاءته النافذة الأولى

ورأى شمل العائلة ,

راى المفتاح

ورأى ..

***

ماذا بعد ؟

ماذا بعد ؟

جاءته الحرب وما كان لديه

إلاّ دمه ويداها

والرّد

3- دم الزنبقة

للأغاني طقوس المحبّين ,

للنهر أسراره والبراري ولي

هذه الفسحة الضّيقة

ودم الزنبقة

ولي الآن هذا الفلك

أن أدور وحيدا وأصرخ في غرفة مغلقة

هذه الأرض سيّدتي محرقة

والبلاد التي زرتها في الضحى

لم تعد في البلاد

دخلت قميص السواد

للأغاني طقوس المحبّين , لي أن أغنّي الضنك

خبزنا مشترك

يومنا مشترك

أيها القلب يا سيّدي , يا أنيس التعب

يا كروما من اللوز , يا وطنا ,

من حقول القصب

ما الذي يسكن الآن فيك وكيف أسمّي اللهب !

والجنون الذي يملأ الحلقة

هذه الأرض سيّدتي محرقة

يا سفينة , يا بحر , لا أسأل الآن ,

لا أحتمي بملاذ

لم يعد في ظلال المساءات من مطر ,

لم تعد يا مساء الرذاذ

لم تعد زنبقة

البداية

 

الأغنية التي تنام في الورق

على الورق

يمكن أن أحصي حسرات العام

واحدة , واحدة , وأقول

ما يسكن الصدر ,

وما يزنّر الأيام من أرق

يمكن يا أسيرة الغياب , يا كثيرة السفر

أن أجمع النجوم والكروم

قلادة ,

إن شئت أو حلق

على الورق

والياسمين تاج

على جبينك الوهّاج

يمكن أن أجوب البحر

في مركب وأنت جانبي

يمكن , فالزمان صاحبي

وتحت إمرتي الأشياء

يمكن فالصحراء

بعيدة ..

يمكن أن اقول قلبي احترق

على الورق

البداية

 

أعطني جمرة أعطني نايا

يناسبها وهي تهرب منّي

يناسبها أن أغنّي

وأن أجمع الروح , أجمع هذي الشظايا

وما يتناثر من خفقان الجوارح ,

لا أحتسي في صباح الخميس سوى

صوتها

من بعيد يجيء

ومن مقعد من أمامي يجيء

فما بيننا غير طاولة , غير نادله ,

غير كوبين ,

غير خريف ومنفى

وغير رصيف التعب !

لماذا تصير الأغاني حطب !

يناسبها وهي تهرب منّي

يناسبها أن أغنّي

وترشقني بالرماح أشورية ,

كيف تهطل برّاقة في سحاب يديها

وتأتي الفراشات , تأتي إليها

تحوم وتهوي

وحزني يأوي .. إليّ ..

ويومي ليس يضيء

ومن آخر الأرض , من بيتها

في أقاصي الجبل

يطلّ إذن وجهها ويجيء :

بريد الليالي الوحيدة , لا أصدقاء ,

ولا ضوء مقهى

بريد الهديل

بريد الصحارى التي صاحبتني

فما مسحت بالمناديل حزني

ولا تركتني

أعالج هذا الرحيل

بريد الكتاب الذي لا أصل

فيا أيّها الغامض المشتعل

ويا أيّها السرّ ,

يا أيّها المستقر , الذي لا يقّر ,

الذي لوّن الأفق بالفضة البابليّة ,

والأقحوان الغريب

وأعطى شفافية الكائنات ,

وأعطى يدي صمتها المتكّبر , أعطى

البدايات ,

أعطى المساءات , أعطى الوشاح

وأعطى الرياح

ممراتها باتجاه قلوعي ,

أعطني لحظة , لأعدّ ضلوعي ,

ومن بعد يا سيدي الغامض المشتعل

أعني , أعطني جمرة ,

وأعط عمري نايا

يناسبها وهي تهرب منّي

يناسبها أن أغنّي

وأن أجمع الروح , أجمع هذي الشظايا

أنا النهر , والنهر ثوبي , ولا ثوب لي

أنا الحجل المرتحل

البداية

 

الوقوف في جرش

وقفا نحك على أسوارها

بعض ما يوجع من أسرارها

ولنمل حينا من الوقت على

غابة تفضي إلى أغوارها

يا خليليّ فلم يبق سوى

ومضة أو قبس من نارها

ليس ما يسكنني الآن شجى

بل صبا الأحباب من تذكارها

نفرت عنّي ظبيات الحمى

وتسّربن إلى أشجارها

وتذوّقت النوى مشتعلا

وسكبت الروح في مزمارها

فكأنّ الحبّ ما كان ولا

كانت الأضلاع من سمّارها

يا خليليّ وما من نجمة

ضوّأت إلاّ على ابيارها

حمّلتني فوق ما أحمله

ورمتني بشظى زوّارها

يا خليليّ ولا تستعجلا

ما شفي القلب سوى غوّارها

فأعدّا لي بساطا أخضرا

واستراني بسنا أقمارها

لم يعد لي في الورى من وطن

فاحسباني من لظى نوّارها

***

لأقل إنّ أحبائي ينامون هنا

وعلى مقربة منّا ,

على باب جرش

و لأقل إنّي أشم الآن عطرا من دم ,

ما جفّ يوما وارتعش

باسمهم أجمع أوتاري وأبدأ

باسمهم أنزف لوني ,

أتلألأ

تحت شمس الجرح لكن ..

كيف لي أن أقتفي اللحظة غزلانا ,

على مدّ براري السنوات

باسم من يصعد الآن قلبي

إلى تلّة الهاوية

باسم من أرسم الجملة العاصية

أو أهزّ الستار

سأغنّي إذن

باسم من

باعني للقفار

وأتاني يتيم الضحى ونقش

إسمه جيدا قرب باب جرش

وأغنّي :

دفنّا أجمل الفتيان فيك

وقلنا يا صبّية هل نفيك

فمن أسقاك هذا الكأس مرّا

سقاني من لظاه بختم فيك

وقفت على طلولك في جلال

أريك من الهوى ما لا أريك

لئن طوّفت في البلدان عهدا

فقد كانت يداك هما شريكي

***

وأصمت لحظة , وأرى حبيبي

أراه هنا

أرى عينيه , قامته

وخطوته

أرى الشجر الكثيف ورقصة الأغصان

أرى في الفندق الصيفيّ مقعده

أرى يده ,

أرى ما يكتب النسيان

أرى ما كان يرسم أو يغنّي القلب والشفتان

أرى ما خطّ في يوم على كفّي من الكلمات

وأقرأه , وأعرف أنّ شيئا مات

وأنّ يديّ من حطب ,

وأني صرخة في أبعد الغابات

وأصمت لحظة وأرى حبيبي

وسنبلتين من قمح الجنوب

أرى برقوقة الوضّاح

على خدّيه ينتشر

أرى ما يفعل السفر

أرى التفاح

أرى أفقا

ونخلا لاح

فأصمت لحظة وأرى حبيبي

فمن أعطاه هذا الوهج ,

من أعطاه أيتها الشوارع نعمة السلوى

وأعطاني أنا الأقداح

***

لا عصافير هنا , لا طلقات

لا حبيبتي

أيّ نبع , موحش دون حبيبي

أيّ نهر ميّت ,

وأياد في الفراغ

يبست دون حبيبي

أيّ راع قادم بالماشية

أيّ درب كان يوما

في ضحى العمر قطوفا دانية

يا حبيبي

أيّها القلب تحسّر

أيّها النهر المبعثر

في حبيبي

أيهّا النبع الذي ما جفّ بعد

في نسيمات حبيبي

أيها الراعي المضيّع

قف قليلا وتجمّع

وتوزّع

باسم روحي ثانية

في شعاب البادية

واغفري لي يا جرش

اغفري ما كان من جهل وطيش

واسكني في وجعي

وتعالي وابدأي الرقص معي

في تراتيل حبيبي

ربما كنت مع الطعنة أوذي من أحب

ربما كنت مع الطلقة مفتونا

بما غاب طويلا عن يديّ

فإذا عاد إليّ

لم أر المطعون والموجوع مثلي

وإذا نيران أهلي

تقصف الروح وتنهال عليّ

ثم تذروني مع الريح بعيدا عن حبيبي

وقف القلب وحيدا يا جرش

وقف المغرب يبكي يا جرش

وقفت كلّ القرى

وقف النهر ومال

شجر الدفلى وقال :

لا عصافير هنا للمقصلة

لا عصافير هنا

لا عصافير هنا

أين يا أرض حبيبي

أين يا أحجار , يا آثار , يا أشجار ألقى ..

بعض أجزاء حبيبي

طوّف الأرض وما عاد حبيبي

طاف في كلّ المحّطات حبيبي

كان في الشبّاك , في الباب حبيبي

كان في الساحة والحفل حبيبي

كان في الدبكة والموّال والعرس حبيبي

كان يا ما كان أسبوعا من الرقص الغريب

كان يوما لحبيبي

ساعة للموت في حضن حبيبي

لحظة وانتهت الرقصة في صمت على وجه حبيبي

وغفا واستيقظت روحي

وما عاد حبيبي

أين يا أرض حبيبي

أين يا أرض حبيبي

واصلي عزفك لا تنتظريني

واملأي الأفق بعطر الياسمين

ودعيني في نواعيرك صوتا

أتملّى عمرك الآتي دعيني

شاهدا حيّا على أيقونة

أو رخام ها هنا أو كوم طين

ضوئي القنديل في العتم إذا

شاقك الحزن إلى رؤيا جبيني

تجديني مثلما كنت ندى

وعلى مرّ الثواني تجديني

****

كيف على مرذ الساعات تدور الأفلاك

كيف يجيء الصيف وأنت هناك

كيف يجيء الصيف ولا ألقاك

كيف أراك ؟

لغيابك وقع السيف ,

يقول دمي ويقول هواك

كيف يؤوب العشّاق من النزهة ,

فرحين ولا ألقاك

أو ينتشرون غزيرين على الطرقات ,

ولا ألقاك

كيف تسبّح في الأفق الأطيار ,

وتسبح في البحر الأسماك

تتمايل أعشاب الأرض إذا داعبها الريح ,

ولا ألقاك

وأنا لا أرضا أصل ولا أنساك

كيف يلوّن هذا الحنّون الأحمر وجه الأرض ,

وتزهر في الحقل شجيرات اللوز ,

ولا ألقاك

كيف تعرّج نحو السفح ,

ويمتليء الوادي بشذاك

تتسّرب في خضرة هذي الأوراق ,

وتنسلّ خفيفا في الريح ,

ولا ألقاك

وتنام وحيدا في الأحراش ,

وأبحث عنك ولا ألقاك

وإذا لاحت في البعد يداك

والتمعت عيناك

تحتفل الغابة ,

والأشجارتخف لمسراك

وأدوّر ولا ألقاك

كيف إذن يسعفني الإدراك

كيف أراك

كيف أراك

***

تشير لي أن أتبعك

أمشي معك

أمشي إلى الأفق

أمشي إلى حدود الورد

أمشي ولا ألقاك

أمشي إلى كلّ النواحي لا أرى من أحد

أمشي إليك

أمشي معك

أمشي ولا أراك

والآن أيّها الملاك

أريد أن أودّعك

أريد أن أردّ الروح لي ,