اللغة العربية أهلاً وسهلاً بكم في موقعكم المفضل لغة القرآن
الرئيسية النحو الإملاء قاموس النحو محاضرات في التربية قاموس الأدب الشعر الصرف النقد
 

 

الشهداء وتشكيل الهوية قس شعر الانتفاضة


مقدمة
.
أنا أؤمن أن إمكانية فرض صورة نمطية واحدة لشهداء الانتفاضة أمر عبثي غير واقعي ؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر ؛ فان الحديث عن الشهيد محمد الدرة – رحمه الله – ينقلنا للحديث عن الصورة العامة للمشهد الشعري في شهداء فلسطين ؛ فالقصائد التي تناولت هذا المشهد الرهيب تتوزع بين الألم والأمل ، والآهات والصمود ، وإذا كان المشهد النمطي في قصائد رثاء محمد الدرة قد أخذ منحى الحزن والندب بشكل كبير ، فالمشهد في الجانب الآخر ، ليس كذلك ، والنبض الشعري في القوافي ليس محصورا- كما يرى الباحث الفلسطيني سمير عطية - على النزف فقط . وهنا يستطيع الدارس أن يستحضر صورة الشهيد " فارس عودة " ، التي تمثّل صورة الإرادة والصمود والإقدام ، وهي صورة لا تتناقض مع صورة الضحية البريئة التي مثلها محمد الدرة :
والحديث عن الشهداء في صفحة الإبداع الشعري يفتح بوابات واسعة لأنماط الدرس النقدي بدءا من المساحة الإبداعية المواكبة لهذه الكواكب الملائكية من نسيج الشكل الفلسطيني المقاوم ، وليس انتهاء بطرح أسئلة عصية على كبار الشعراء؛ بل إن الحديث عن مواكبة الشعراء للشهداء في فلسطين المحتلة هو حديث عن الموقعيات السياسية وتشكيل الهوية من خلال خلفيات التناول الفكري أو الأيديولوجي لموضوع الشهادة .
ومن هنا، فإن موضوع الشهادة يبدأ من جديد ليطرح نفسه بقوة أمام شعراء عرفوا- ولمدة طويلة- بأنهم رموز مدرسة الشعر المقاوم وأساتذتها الكبار.
محمود درويش واحد من الشعراء الذين ارتبطت أسماؤهم بفلسطين، بل لعله أشهرهم، لا لأنه فلسطيني فحسب، بل لأنه لا يفتأ يفاجئ قارئه بالجديد، فنا ورؤية . وقد ظل درويش ومعه شعراء المقاومة الآخرون : سميح القاسم وتوفيق زياد و معين بسيسو وغيرهم يمثلون - للشعب الفلسطيني- خلال فترة الستينات والسبعينات تقريبا- رافدا ثوريا مواكبا للأحداث وخالقا لمعالم الإبداع الشعري في أدب الالتزام الثوري ، فكتب عن الأرض والمنفى عن الأسر والشهادة :
ولكنه، ومع تطور التشكل السياسي على رقعة الفعل الفلسطيني المقاوم، ودخول الحركات الإسلامية- بل وتصدرها - ساحة الفعل المقاوم على الأرض ، فرض على شعراء اليسار نوعا من الانزوائية في التمثيل الصداري المواكب للحدث المقاوم . وتسلم الراية أدباء جدد لم تعرفهم صفحات الجرائد في زمن المد الثوري الاشتراكي.
كانت الحلقات المشكلة للتجربة الأولى في النصوص الدرويشية تؤكد حقيقة موضوعية واحدة ، هي: أن لا ثقافة بدون مقاومة ولا مقاومة بدون ثقافة، وكانت القصيدة الدرويشية تبنى على فلسفة التحدي القائم على جدلية الإصرار والمواجهة: ( )
سنخرج من معسكرنا
ومنفانا
سنخرج من مخابئنا
ويشتمنا أعادينا
هلا … همج…. عرب
نعم عرب ولا نخجل. ( )
هذه هي الثورية القومية التي حولت الوطن سابقاً - عند درويش- إلى حالة ذهنية استقطبت الكثير من الرموز لتكون واجهة القصيدة الفلسطينية المتكررة، ويصبح الشعر المقاوم - من خلالها- نمطاً مميزاً للقصيدة الفلسطينية الفاعلة، وعلى نفس الوتيرة الصوتية كان يصرخ سميح القاسم:
ربما تطعم لحمي للكلاب
ربما تلقي على قريتنا
كابوس رغب
يا عدو الشمس
لكن لم أساوم
وإلى أخر نبض
في عروقي سأقاوم. ( )
نعم كان هناك نص مقاوم عند درويش وإيمان بالفعل المقاوم، أيضاً، إيمان يصل إلى حد الاعتقاد الراسخ الذي يعتبر الخروج على هذه الشاكلة الشعرية نوعاً من الخيانة المرفوضة.
ومن هنا، فإنني عندما أطرق موضوع الشهداء في الشعر الفلسطيني المقاوم؛ سائلا عن موقع درويش من هذا المربع ، أو أن أتساءل عن سر غياب قلمه عن متابعة أعلام المقاومة الكبار الذين سقطوا شهداء ومثلوا لشعبهم رموزا كبيرة كالشيخ ياسين والرنتيسي وجمال منصور وأبو علي مصطفى وثابت ثابت؟ فان هذه المطالبة النقدية هي بحد ذاتها قراءة جديدة لجدلية التشكيل السياسي في قصيدة الشعر المقاوم.
ومن هنا ، أقول ، لا يستطيع درويش أن يتناول الفعل المقاوم بواجهته الإسلامية التي تقود معركة التحرر بين ترهات العهد القديم المزورة وحقائق الإسلام المزلزلة؛ وهو النقيض المباشر لهذه الصحوة؛ ً فإذا كان الوطن يعني عبق الشهادة فلا مكان لدرويش في هذه المعادلة، وإذا كان الشهيد هو احمد ياسين؛ فان الحدث لن يعنيه ؛ لان الكتابة عنه تعيق فرصة التتويج ، وتؤخر جوائز عالمية كثيرة ينتظرها الشاعر .
ومن هنا، كان التناقض في الانتمائية الدرويشية لقصيدة المقاومة حين تعارضت تلك القصيدة مع بطولات الإسلاميين؛ فعزف عنها بطريقته الخاصة

محمود درويش واحد من الشعراء الذين ارتبطت أسماؤهم بفلسطين، بل لعله أشهرهم، لا لأنه فلسطيني فحسب، بل لأنه لا يفتأ يفاجئ قارئه بالجديد، فنا ورؤية . وقد ظل درويش ومعه شعراء المقاومة الآخرون : سميح القاسم وتوفيق زياد و معين بسيسو وغيرهم يمثلون - للشعب الفلسطيني- خلال فترة الستينات والسبعينات تقريبا- رافدا ثوريا مواكبا للأحداث وخالقا لمعالم الإبداع الشعري في أدب الالتزام الثوري ، فكتب عن الأرض والمنفى عن الأسر والشهادة :
ولكنه، ومع تطور التشكل السياسي على رقعة الفعل الفلسطيني المقاوم، ودخول الحركات الإسلامية- بل وتصدرها - ساحة الفعل المقاوم على الأرض ، فرض على شعراء اليسار نوعا من الانزوائية في التمثيل الصداري المواكب للحدث المقاوم . وتسلم الراية أدباء جدد لم تعرفهم صفحات الجرائد في زمن المد الثوري الاشتراكي.
كانت الحلقات المشكلة للتجربة الأولى في النصوص الدرويشية تؤكد حقيقة موضوعية واحدة ، هي: أن لا ثقافة بدون مقاومة ولا مقاومة بدون ثقافة، وكانت القصيدة الدرويشية تبنى على فلسفة التحدي القائم على جدلية الإصرار والمواجهة: ( )
سنخرج من معسكرنا
ومنفانا
سنخرج من مخابئنا
ويشتمنا أعادينا
هلا … همج…. عرب
نعم عرب ولا نخجل. ( )
هذه هي الثورية القومية التي حولت الوطن سابقاً - عند درويش- إلى حالة ذهنية استقطبت الكثير من الرموز لتكون واجهة القصيدة الفلسطينية المتكررة، ويصبح الشعر المقاوم - من خلالها- نمطاً مميزاً للقصيدة الفلسطينية الفاعلة، وعلى نفس الوتيرة الصوتية كان يصرخ سميح القاسم:
ربما تطعم لحمي للكلاب
ربما تلقي على قريتنا
كابوس رغب
يا عدو الشمس
لكن لم أساوم
وإلى أخر نبض
في عروقي سأقاوم. ( )
نعم كان هناك نص مقاوم عند درويش وإيمان بالفعل المقاوم، أيضاً، إيمان يصل إلى حد الاعتقاد الراسخ الذي يعتبر الخروج على هذه الشاكلة الشعرية نوعاً من الخيانة المرفوضة.
ومن هنا، فإنني عندما أطرق موضوع الشهداء في الشعر الفلسطيني المقاوم؛ سائلا عن موقع درويش من هذا المربع ، أو أن أتساءل عن سر غياب قلمه عن متابعة أعلام المقاومة الكبار الذين سقطوا شهداء ومثلوا لشعبهم رموزا كبيرة كالشيخ ياسين والرنتيسي وجمال منصور وأبو علي مصطفى وثابت ثابت؟ فان هذه المطالبة النقدية هي بحد ذاتها قراءة جديدة لجدلية التشكيل السياسي في قصيدة الشعر المقاوم.
ومن هنا ، أقول ، لا يستطيع درويش أن يتناول الفعل المقاوم بواجهته الإسلامية التي تقود معركة التحرر بين ترهات العهد القديم المزورة وحقائق الإسلام المزلزلة؛ وهو النقيض المباشر لهذه الصحوة؛ ً فإذا كان الوطن يعني عبق الشهادة فلا مكان لدرويش في هذه المعادلة، وإذا كان الشهيد هو احمد ياسين؛ فان الحدث لن يعنيه ؛ لان الكتابة عنه تعيق فرصة التتويج ، وتؤخر جوائز عالمية كثيرة ينتظرها الشاعر .
ومن هنا، كان التناقض في الانتمائية الدرويشية لقصيدة المقاومة حين تعارضت تلك القصيدة مع بطولات الإسلاميين؛ فعزف عنها بطريقته الخاصة .  
ولعل في هذه المقابلة سند موضوعي لهذا الزعم الذي نشير إليه :

"أنتَ كشاعر فلسطينيّ، شَاهِدٌ على مأساة شعبِكَ وكذلك شاهد على الإيمان بالإنسانية. وكلمة "شَاهِد" هي المعنى الأول لكلمة "شَهِيد". والذين يقومون بعمليات – انتحارية- يُطْلَق عليهم أيضاً "شُهَدَاء". كيف يمكن أن نكون شهيداً ونتسبَّبَ في موت أشخاص أبرياء؟"

يجيبُ محمود درويش: "كذلك في القرآن، كلمة "شهيد" تعني أيضاً "شَاهِد". يوجد خلطٌ في تحديد العمليات الانتحارية. وهنا لا يتعلّق الأمرُ بـ"شهداء" ولكن بـ"انتحاريين"
Kamikazes. وفي الحروب، يوجد انتحاريون kamikazes في كلّ الأطراف. إنّ كلمة "شهيد" كلمة مفتوحةٌ جداً. المسيحُ ومحمد الدُرّة والشعب العراقيّ الذي هَلَك تحت القنابل "الذكيّة" الأمريكية"، هم شهداء، لأنهم يَشْهَدون بإنسانيتهم في وجه الرُّعب والبربرية. الانتحاري Kamikaze، في نظري، هو من يمنح حياتَهُ من أجل قضية يعتقد أنها عادلةٌ. أنا أَدَنْتُ، ولم أَكُن الوحيدَ، العمليات الانتحارية kamikazes
التي تَسْتَهْدِف مَدَنِيّين. الإسلاميون يَرُدّون بالقول: إنّ الإسرائيليين يقتلون هُم أيضاً مدنيين (فلسطينيين). وجوابي هو: ليس علينا أن نفعل مثلهم (الإسرائيليين)، لأننا إن فَعلْنَا مثلهم، فما هو الفرقُ بين الجلاّد والضحية؟". ([8])

هذه الثقافة الفلسطينية التي لفعت عدداً من الشعراء اليسارين الذين عرفتهم الساحة الفلسطينية خلال عقود أربعة - شهدت غياباً شبه كلي لأصحاب الفكر الإسلامي عن دور النشر ومحافل الثقافة والأدب - وعرفتهم الأقلام النقدية على أنهم شعراء المقاومة ثم لما انقلبت الموازين وهبت موجة الفكر الإسلامي المعاصر لم يعد بوسعهم متابعة النهج الشعري "المقاوم" في ظل تحول الراية من يد اليسار الثقافي إلى أدبيات الفكر الإسلامي المجاهد.

ومن هنا لم يستطع درويش أن يتناول من صفحة الإبداع الاستشهادي غير محمد الدرة؛ لأن تناول عياش وطوالبة ورائد الكرمي وصلاح شحادة هدمٌ جريء للثقافة التغريبية التي آمن بها درويش في مدرسة التعايش مع (الإسرائيليين)!

درويش ومشهد الضحية الطروادية

من خلال التصور السايق عن المنهج الدرويشي في تناول القضايا الوطنية والإنسانية، لن نتوقع الكثير في قصائد درويش الأخيرة ، ولا اقصد هنا الكثير من الفنية ، بل الكثير من الانفرادية التصويرية لنوذج الطفل الفلسطيني المناضل ، حتى قصيدتا "محمد الدرة"، و "عابرون في كلام عابر" لم تكونا مصادر طمأنينة لدرويش بل كانتا هماً فرضته حاجة الجمهور المراقب، مما دعاه إلى الاعتذار عن الأولى والوعد بحذفها، والمراوغة السياسية في الحديث عن الثانية؛ يقول درويش:

"أنا متورط مع محمد الدرة، داخلياً، وليس بمعنى المطالبة الخارجية. يمكن أن نكون هناك إصغاء إلى مطالب خارجية. وهذا أمر موجود في لا وعيي، وفي وعي أي واحد فينا، لكن هذا الموضوع لا يشكل أسلوبية جديدة، ولن يغير مشروعي الشعري الذي أتابعه. فأنا أعرف ما لدي".[9])

وقد يتصور القارئ أن قصائد درويش التي نتحدث عنها هي من النوع الثقيل الذي يقلق الاحتلال ويزلزل أركانه؛ ذلك وهم تبدده نظرة عاجلة إلى إحدى القصيدتين التي تمثل النمط الدرويشي في الشعر " المقاوم" أعني طروادية المشهد المأسوي الذي يتعاطف معه إنسانياً دون التدخل المباشر في إنشاء قصيدة الفعل المقاوم فهو هنا يتحدث عن المأساة دون تناول المشهد الإبداعي في ثورة الأقصى التي كان محمد أثراً من آثارها:

أيها المارون بين الكلمات العابره

منكم السيف - ومنا دمنا

منكم الفولاذ والنار - ومنا لحمنا

منكم دبابة أخرى - ومنا حجر

منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر

وعلينا ما عليكم من سماء وهواء

فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا

وادخلوا حفل عشاء راقص.. وانصرفوا

وعلينا، نحن، أن نحرس ورد الشهداء..

وعلينا، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء! ([10])

درويش ومشهد الضحية الطروادية

يقول الناقد نبيل أبو علي :" على الصعيد الفلسطيني حاول شاعرنا الفلسطيني الكبير محمود درويش أن يساير المرحلة، ولكن للأسف لم يفلح في تجسيد مكانته الإبداعية في قصيدته للطفل محمد الدرة، حيث جاءت القصيدة أقل بكثير من نظائرها فيما كتب عن الشهيد الطفل محمد الدرة الذي استشهد في حضن والده، كما أن عددًا من الشعراء الكبار الفلسطينيين لم نسمع صوته، وكأنه ما زال منبهرًا بما حدث، وقد ينتج ويبدع فيما بعد إذا استوعب وخرج من حالة الانبهار" .
ومن هنا أجد أن قصيدته في محمد الدرة جاءت معممة – في رأيي - لا تذهب مع دلالات المشهد الدموي في انتفاضة الأقصى المباركة :
محمد ..
يرى موته قادماً لا محالة
لكنه يتذكرُ فهداً رآه على شاشةِ التلفازِ
فهداً قوياً يحاصرُ ظبياً رضيعاً
وحينَ دنا منه لم يفترسه
كأنَ الحليبَ يروضُ وحشَ الفلاةِ
إذن سوفَ أنجو .._ يقولُ الصبيُّ _ ويبكي ..
فإن حياتي هناك مخبأة في خزانةِ أمي ..
سأنجو .. وأشهدْ..
محمد ..
ملاكٌ فقيرٌ على قابِ قوسينِ من بندقية
وجهه كالضحى
واضح قلبه مثل تفاحةٍ
كانَ في وسعِ صيادهِ أن يفكرَ بالأمرِ ثانيةً
ويقول : سأتركهُ ريثما يتهجى فلسطينه دونما خطأ..
سوفَ أن أتركه الآن رهنَ ضميري ..
وأقتله في غدٍ عندما يتمردْ
محمدْ .."
هذه الصورة النمطية للشهيد الطفل ؛ الشهيد الذي ينتظر حتفه القدري الموعود تحت معادلة الظلم القسري في غابة التعطيل الكلي لضمير الإنسانية المفترض ، لتبدد طموحا كان يمكن أن يمتد ببراءته وبساطته ليتهجى الصغير فلسطينيته بلا خطأ ؛ يحدد معالم الصورة النمطية التي اختارها درويش لقصيدته في عفوية ودهاء ؛ عفوية فرضتها الطبيعة الإنسانية لموضوع القصيدة في شخصية محمد الدرة ، وذكاء في قدرة فنية عالية ا من شاعر كبير استطاع ان يعفي نفسه من اشكاليات سياسية كان يمكن أن تلاحقه لولا خصوصية الحدث وبراءة الشخصية التي تناولتها القصيدة

ولعل أكثر الأمثلة توصيفا لاختيارات درويش من صفحة الشهداء ما نراه في ديوانه - حالة حصار-" الذي صدر مع السنة الثالثة للانتفاضة عام 2002" ، وفيه تكتمل معالم الصورة التي يحب درويش أن يقدمها لجمهوره؛ فهو من نحو يقدم الصورة النمطية للشهيد الضحية في ثوبه الطفولي البريء أو في ثوب الضعف الإنساني الموجوع تحت آلة الظلم الصهيونية العنيفة ، ومن نحو أخر يبذر آراءه الفلسفية والسياسية في موضوع جدلي يشكل نقطة مركزية في حوار الثقافة الفلسطينية حول رأي الساسة والمثقفين في ثقافة الاستشهاد التي فرضتها انتفاضة الأقصى المباركة . فمن النوع الأول نقرأ له :
الشهيدة بنتُ الشهيد

وأختُ الشهيد وأختُ الشهيدة كِنّةُ

أمِّ الشهيد حفيدةُ جَدّ الشهيد

وجارةُ عَمّ الشهيد (الخ... الخ...)

ولا شيء يحدث في العالم المتمدّن،

فالزمن البربري انتهي،

والضحية مجهولة الاسم، عاديةٌ

والضحيةُ.. مثل الحقيقة.. نسبيةٌ

(الخ... الخ...)

هكذا تسير احدي مقاطع محمود درويش في حالة حصار، حيث تبدو حال الشهادة فعلاً اعتيادياً يتجاوز الخيار الشخصي ربما: حين تكون فلسطينياً، فأنت مشروع شهيد، شئتَ أم أبيت، الآن أو غداً أو بعد غد، علي يد أعدائك أو علي يد أشقائك.
ومن النوع الثاني نقرأ له :
" نحب الحياة غدا
عندما يصل الغد سوف نحب الحياه
كما هي، عادية ماكره
رمادية أو ملونة ..
لا قيامة فيها ولا آخره "
هذا هو المشهد الشعري الذي يقدمه درويش –حول الشهيد - راسما من خلاله معالم الصورة التي يفترضها ايديلوجيا ؛ هروب من واقع مستحيل التشكل إلى عالم هلامي لا حقيقة له –في نظر درويش- سوى بعض الآمال المزروعة في عالم الميتافيزقيا ؛فهو لا يعبأ بذلك الإيمان الجبار الذي يحرك الاستشهاديين وينقلهم إلى ساحة التضحية بالغالي والنفيس ، بل يسخر علانية من ذلك التصور الذي يقدمه الإسلاميون في تعليل فلسفة الاستشهاد ؛ فليس هناك سوى حب الأرض حبا طبيعيا دون أية مؤثرات ميتافيزيقية او ميثلوجية .
تقول القصيدة :
"الشهيد يوضح لي : لم أفتش وراء المدى
عن عذارى الخلود ، فإني أحب الحياه
على الأرض ، بين الصنوبر والتين
لكنني ما استطعت إليها سبيلا
ففتشت عنها بآخر ما أملك ، الدم في جسد اللازورد
ومن هنا، فلم تعد ثقافة الاستشهاد –كما يفترضها درويش – قائمة على المحركات الدينية في وعود الإسلاميين بجنة الخلد ، بل هي حالة من الانهزامية المفروضة حين يبحث المرء عن السعادة في الدنيا فلا يجدها ؛ فيلجأ إلى الانتحار متعلقا بسبب غيبي ، مفتشا من خلاله عن آخر أدوات البحث. وهو من هذا النحو يكاد يقول: أن لا فرق بين الانتحار وبين الاستشهاد ، لان الشهيد نفسه يكذب المزاعم التي تقول بأنه فرح بما أصابه

" الشهيد يحذرني: لا تصدق زغاريدهن
وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا "
أو هذا حقا هو كل ما يبحث عنه الشهيد؟ وهذه الصور التي نراها للشهداء، قبل استشهادهم، وهم يقرءون وصاياهم ويقبلون المصحف الكريم، وهذه الأم الباسلة التي تعانق ولدها وهو مقبل على الاستشهاد، أكل ذلك زور وبهتان ؟
ويعود درويش إلى المزاوجة بين معنى الخسارة في أرواح الشهداء المتساقطين، وأغصان الزيتون،•• وما يصيب القصيدة التي تريد أن تعلي من صوتها لتكشف فداحة الخسارة•• فيعاجلها السقوط أيضا:

خسائرنا: من شهيدين حتى ثمانية كل يوم•

وعشرة جرحى•

وعشرون بيتا•

وخمسون زيتونة•••

بالإضافة للخلل البنيوي الذي

سيصيب القصيدة والمسرحية واللوحة الناقصه
وهذا التصور السياسي لموضوع الشهادة وفق قاعدة الربح والخسارة لا ينعزل عن بعض الطروحات السياسة التي يطرحها بعض المثقفين الداعين إلى وقف الانتفاضة أو إعادة قراءتها وفق قاعدة النتائج الاقتصادية في الأرواح والأموال !!.
وإذا كان درويش قد رفض المنطق الإسلامي الأصولي في بناء تصوراته الفكرية حول فلسفة الموت والحياة ؛ فإنه في المقابل حاول أن يجد له بديلا عن ذلك كله، من خلال اعتماده على الأساطير القديمة –كما يرى الناقد المغربي حسن الامراني - ليؤسس من خلالها حلم السلام الموهوم، ويدغدغ عواطف الجندي الصهيوني، لعله يتذكر ما نزل به من ألوان العذاب على يد النازيين، فيرتدع عن إنزال العذاب بالفلسطينيين، ويقتنع ببناء مجتمع السلم، إنها أكبر الأساطير المعاصرة التي يبتز بها الشعوب المغلوبة على أمرها، ويحكمون قبضتهم بها على العالم الغربي منذ ما يزيد من نصف قرن هي أسطورة الهولوكوست، أسطورة غرف الغاز التي أنشأها النازيون بزعامة هتلر لتحصد أمة اليهود، وقد أثبت الباحثون المنصفون أنه لم يثبت تاريخيا أي وجود لغرف الغاز التي يتحدث عنها اليهود.
فماذا تقول القصيدة؟
[إلى قاتل] لو تأملت وجه الضحيه
وفكرت، كنت تذكرت أمك في غرفة الغاز،
كنت تحررت من حكمة البندقيه
وغيرت رأيك، ما هكذا تستعاد الهويه
وهنا ، أجد أن الشاعر قد وقف موقف الواعظ ، مسلّـــما بأسطورة غرفة الغاز التي يتوكأ عليها الصهيوني لممارسة جرائمه البشعة، ويتصور أن الموعظة ستجد سبيلها إلى نفس القاتل، وأن تذكيره بغرف الغاز سيوقظ في نفسه الشعور بالرحمة، وأن ذلك سيجعله يتخلى عن البندقية، والحال أن العكس هو الواقع حالا، فأطفال اليهود في إسرائيل يشحنون بأسطورة غرف الغاز ليزدادوا حقدا على من حولهم .. وليقبلوا بعدما يكبرون على القتل دون قلب، كما يفعل شارون ، فأي هوية تستعاد؟
والأخطر من ذلك أن الوهم يذهب بالشاعر بعيدا ويستولي عليه ويملك عليه أقطار نفسه، حتى أنه ينسج من خياله أسطورة جديدة تجعل الذئب والشاة أخوين، تملكهما الوداعة والمحبة والتسامح :
على طللي ينبت الظل أخضر ،
والذئب يغفو على شعر شاتي
ويحلم مثلي ومثل الملاك
بأن الحياة هنا ..لا هناك ."
هناك أين ؟ في عالم قزحي يتخيله الشاعر مولودا من رحم ذلك الزواج الغريب ما بين الذئب والشاة،.. الجلاد والضحية ..وهكذا يوجه الحديث (إلى قاتل آخر)، هكذا بصيغة الإبهام، وإن كنا نعرف دائما أن القاتل ليس غير ذلك اليهودي الذي يدعوه الشاعر إلى التريث ليعرف طريق السلام . وهكذا تسوق القصيدة ذلك الحلم الوردي، الذي لن يتجاوز في الحقيقة دائرة الأحلام الكاذبة :
(إلى قاتل آخر ) لو تركت الجنين ثلاثين يوما
إذن، لتغيرت الاحتمالات،
قد ينتهي الاحتلال ولا يتذكر ذاك الرضيع زمان الحصار
فيكبر طفلا معافى
ويدرس في معهد واحد مع إحدى بناتك !
تاريخ آسيا القديم
وقد يقعان معا في شباك الغرام !
وقد ينجبان ابنة (وتكون يهودية بالولادة )
ما ذا فعلت إذن؟
صارت ابنتك الآن أرملة،
والحفيدة صارت يتيمه
فماذا فعلت بأسرتك الشارده
وكيف أصيبت ثلاث حمائم بالطلقة الواحده ؟
ثلاث حمائم إذن ، الطفل العربي (الذي ربما كان محمد الدرة، لو أمهله القاتل ) الذي كان سيكبر معافى، ويدرس في معهد واحد مع ابنة القاتل اليهودية، ليقعا معا قي شباك الغرام، ويتزوجا وينجبا الحمامة الثالثة !
يا له من حلم .
أهكذا إذن تحل مشكلة الاحتلال؟ أهكذا يتحقق السلام المنتظر؟
ثم هل نجح درويش في إقناع القاتل الآخر على – حد تعبيره – بجدوى المنطق السلمي ، المنطق الذي حطمه اليسار الإسرائيلي في عهد باراك قبل أن يحسم الطلاق فيه إجماع الشعب الإسرائيلي في اختيار شارون من أقصى اليمين المتطرف.
ولعل القارئ يحتاج- هنا- إلى شيء من التقريب الاقناعي في أدلة ملموسة من خلال قراءة النقاد الإسرائيليين أنفسهم من معسكر اليسار الذي يخاطبه درويش
تقول السيدة " ملاميد" - وهي ناقدة يسارية- في تعليقها على ديوان درويش " حالة حصار":
" بالنسبة لي، كإسرائيلية تقرأ العبرية، فإن "جسد اللازورد" هو كذبة. الجسد الصحيح هو جسد الباص المهروس. الدم ليس دم الشهيد وحده، بل ودم ضحاياه. الشهيد هو قاتل."
ثم تضيف الكاتبة : "لا يمكن في هذه الأيام أن تكون إسرائيليًا وأن تبدي في نفس الوقت تعاطفًا متنورًا مع الشهيد. لا يمكن قراءة قصيدة كهذه، تتحدث من فم قاتل محتمل لا يطلب منّا إلا التعاطف والشفقة، لا يطلب إلا أن نفهم إلى أية درجة من السوء وصلت حياته، لدرجة أنه عافها؛ لا يمكن ذلك لأن هذا كذب. الشهيد لم يعُفْ حياته، بل عافَ حياتنا.. هو قاتل، والشعراء الذين يبدون التفهم العميق تجاه القتلة لن يسكنوا في رف كتبي. لا أملك ما يكفي من التنوّر لكي أقرأهم. ليس الآن، وليس فيما بعد، حين تأتي الأيام التي يحلم بها ."
ملاميد، وهي يسارية إسرائيلية "وضد الاحتلال"- كما تزعم- ، ترفض إشادة محمود درويش بالشهداء الفلسطينيين الذين اختارهم في سمتهم الطروادي ، وطريقة شرحه وتبريره للأسباب التي جعلتهم يموتون .
تقول ملاميد أيضا :"أنها لا ترى في الشهيد الذي يتحدث عنه محمود درويش سوى قاتل وسفاح يفجر الباص ويهرسه ويدمره على نفسه وعلى الآخرين وتؤكد على أن الشهيد قاتل وترفض فكرة الخوض في مشروعية عمله أو الأسباب التي تدفعه لكي يقتل نفسه ويأخذ معه إلى العالم الآخر أكبر عدد ممكن من الإسرائيليين، هي بصراحة غير مستعدة حتى لمناقشة الفكرة أو الدخول في عالم الفلسطيني المحروم من الحياة" .
إذا ، فان فرضية التأثير على الرأي العام الإسرائيلي وطرح المنطق الاعتدالي في تقديم رؤية اعتدالية "حضارية" لا تثير القلق في أوساط المجتمعات الغربية أو المجتمع الصهيوني العنصري لن تجد لها صدى أمام هذا الرفض من كافة أوساط المجتمع الصهيوني؛ فإذا كان هذا هو أمر اليسار في رفض مبدأ التأسي على الطفولة المسحوقة تحت جنزير الدبابة ، فكيف سيكون رأي الغطرسة اليمينية الغاشمة !!؟؟
ولعلي أتساءل -هنا- : إذا لمن يقدم درويش هذه الصورة التي لا تتفق وتوجهات جمهوره ، ولا تستقيم مع التصور الإسلامي والعربي لقداسة الشهيد في عالم الملكوت العلوي!!؟؟ وهنا تتجلى وجهة النظر التي اطرحها من خلال هذا البحث ، صورة الشهيد وأثرها في تشكيل الهوية السياسية لدى شعراء الانتفاضة الفلسطينية
، وقد اخلص هنا إلى هذه المقاربة التصويرية في استخلاص رؤية موضوعية لطبيعة التشكيل السياسي: فأقول : الاستشهادي ... صورة مرعبة وفاتنة في آن واحد ، مرعبة في صدور عشاق الليل ، فاتنة في قلوب الظامئين لوجه الصباح ، هذه الصورة تتنقل بين معانيها في قصائد الشعراء ، ما بين مشكك ومبشر ؛ مشكك في حقيقة هذا الاستعلاء البطولي ومحاولة توصيف الحالة الاجتماعية الشعورية المحتفية بعبق الشهادة على أنها حالة فجر كاذب وزعم واهم ، و هي لدى شعراء التيار الإسلامي صورة مشرقة من صور المد الجهادي البطولي

ولذا فليس غريبا أن نجد شيئا من هذه المعاني عند الشاعر عبد الرحمن بارود ، يحكي على لسان الشهيد السعيد بعض ما قالته الأحداث إلى الأعداء ، وهو هنا يترك لخياله أن يحلق في الكلمات التي نطقت بها الشظايا ولم تنطق بها الشفاه وما أجمله من تعبير رقيق بكلمات سهلة لكنه يحمل في ثناياه الوعيد للمحتلين في تحية إلى أبطالنا الاستشهاديين :



أمُحرّقي بشواظ نارك خُذ نصيبَك من حريقي

دوّت رعودي القاصفاتُ عليكَ والتمعتْ بُروقي

خذ هذه الأقساط واخصمها من الدين العتيقِ

أنا صخرةٌ صمّاء من لهبٍ من القعر السحيقِ

سجّل لديك اسمي سعيدٌ والألوفُ على الطريقِ



**

ثم هو يعود بعد ذلك على لسان البطل يجدد العهد ، ويقبض بأياديه على الولاء للرصاص الذي ينطلق تحت راية الله العزيز ، لا يخاف من الردى وكيف يخاف والحياة والأجل قد سطر في الكتاب وحدده المولى عز وجل ....ثم هو من كتائب القسام التي لا تحيد عن حقها ولا تميد حتى لو مادت الجبال !!!



لا أستقيلُ ولا أقيلُ ، أقول ما قالَ الأسودُ

أنا في كنانةِ سيّد الثقلين صاروخٌ جديدُ

وعلى الزناد أصابعي فإذا انطلقت فلا أعودُ

لا ينقصُ الأجلُ المسطّر في الكتاب ولا يزيدُ

أنا من بني القسّام إن مادَ الجبال فلا أميدُ



***

وعلى نفس النسق يسير الشاعر فريد سرسك يحمل نصل قلمه مدافعا عن الشهداء ...إنه يدافع عن حقهم في نيل الحرية والكرامة ..يدافع عن أحقيتهم في دفع الظلم ، من هنا انطلقت قصيدته ( لستَ بالإرهابي) كرصاص كثيف يصيب ألسنة من وصموا العمليات الاستشهادية بالإرهاب ، وهنا يبرز دور الشعر الكبير في الدفاع عن قيم الجهاد ومعلني المقاومة ومكانة الشعر في المعركة.



إفهم عليّ

فلستَ إرهابي

إذا فجّرتَ وجهك في دفاترهم

إذا دافعتَ عن غرناطة الفرس الأخيرْ

ونثرتَ روحك في الشوارع كالعبيرْ

أسرجْ خيولك يا صغير السن

واخترق الصفوف فليس من يعطيك ’فيتو‘

يا صديقي غير ساعدك الصغيرْ



**

نعم ، من بين الصور الجميلة المعبرة والمعاني الأصيلة... من بين الموسيقى الداخلية البديعة يأتي دفاع الشاعر عن المقاومة مذكرا من نسي منهم بسجل الدم الذي كتبه المحتل بآهات شعبنا وأشلاء أبنائنا ، داعيا من كل من يسطر ملاحمه بالفداء أن لا ينثني عن درب الرصاص ...درب :



فَجّر عليهم كبرياءهم الضعيف المستعار

إياك أن تصغي لما قالوه إنك قاتل يا عنفوان الورد

والليلكْ

سنابك خيلهم غرقت ببحر رفاتنا والخيلَ لكْ

ورصاصهم ما زال يمطر في جماجمنا

وجرافاتهم تقتات من دمنا

وتنهش ما تبقى من خدود الورد في دفلى دمكْ

الساح ساحك فاعبر الساحات فوق صهيلك المآسي

رمحاً في الفَلَكْ

 


اتصل بنا - راسلنا

جميع الحقوق محفوظة لدى الدكتور مسعد زياد